ما بعد المشروطية‮: تأثير النظام الاقتصادي العالمي في مراحل التحول الديمقراطي

 د. هناء عبيد

hرتبطت دراسة تأثير النظام الاقتصادي العالمي في التحولات الديمقراطية بموجة التحول الديمقراطي التي واكبت انتهاء الحرب الباردة، واستمدت المقولات والافتراضات الأساسية من تلك التجارب التي لعب فيها العامل الخارجي، خاصة العامل الاقتصادي، دورا واضحا، وإن كان على هامش عمليات التحول.فقد شكل النظام الاقتصادي العالمي سياقا حاكما لكثير من عمليات التحول الديمقراطي،منذ انتهاء الحرب الباردة، إذ مثل حافزا مهما لها، خاصة في دول المعسكر الاشتراكي السابق، أو قوة ضغط رئيسية لدفع عمليات التحول أو منعها من الانتكاس في فئة أخري من الدول التي تتمتع بحساسية أو انكشافية معينة تجاه تغيرات وضغوطات هذا النظام،خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء.

وقد تراجع الاهتمام نسبيا بتأثيرات العامل الخارجي عموما،بما في ذلك بعده الاقتصادي، في عمليات التحول الديمقراطي مع بداية الألفية الجديدة، بينما تجدد الاهتمام بدراسته وبحث محدداته،وأشكال واتجاهات تأثيره في ضوء التحولات السياسية التي يشهدها العالم العربي بعد الثورات.

استراتيجيات تأثير النظام الاقتصادي العالمي:

بداية، فإن المقصود بالنظامOrder  في هذا السياق هو: “مجموعة الترتيبات والقواعد الحاكمة التي تتضمن القواعد والمعايير والقيم والإجراءات المنظمة للسلوك والمتحكمة في نتائجه”(1).ومن ثم، فالنظام الاقتصادي العالمي هو مجموعة القواعد الحاكمة للتفاعلات ذات الطبيعة الاقتصادية والمالية،والمنظمة للمعايير والإجراءات والتوقعات، وفي القلب منها المؤسسات المنظمة لهذه العمليات،خاصة المؤسسات المالية الدولية، مثل: البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والأفكار والسياسات،أو معايير السلوك المرتبطة بها.

وتسمح نظريات النظامRegime Thearyبدراسة التفاعل بين القوة المادية وقوة الأفكار، كما تسمح بدراسة تفاوت هيكل القوة داخل النظام، وكيف يتم تصعيد قيم معينة،اتساقا مع توجهات القوي المؤثرة داخل النظام، أو تفعليها انتقائيا تجاه بعض الأطراف أو في بعض الأوقات. وفي هذا السياق، فإن المناخ الدولي،عقب انتهاء الحرب الباردة، سمح ببروز قيمة”الديمقراطية”،خاصة في أبعادها الإجرائية، وأفرز ذلك منظومة الأفكار والسياسات تحت المظلة الفكرية لمفهوم الحكم الرشيد التي تبناها البنك الدولي، وصمم في إطارها برامج لـ”المشروطية السياسية”،ربطت بين الحصول على المعونة واتباع الدول المتلقية للمعونة سياسات اقتصادية وسياسية تربط بين برامج التحرير الاقتصادي وسياسات مستحدثة ترتبط بمكافحة الفساد،أو الإصلاح السياسي والمؤسسي والإداري.

ورغم صعوبة دراسة التأثيرات لغير المادية للنظام الاقتصادي العالمي، تذهب بعض الاتجاهات إلى أن النظم تؤسس لنوع من الارتباط الذي يشكل تفاعلا استراتيجيا أو نوعا من التأثير،يستطيع من خلاله طرف أو أطراف ما التأثير في سلوك أو سياسات الطرف الآخر(2).ومن ثم، فبمجرد عضوية دولة ما في القلب المؤسسي للنظام الاقتصادي العالمي، تترتب توقعات معينة من السياسات والسلوك على الأعضاء، ويعد الخروج عنها نوعا من الانحراف الذي يقابله “عقاب” أقله الاستهجان،وأقصاه توقيع العقوبات المادية المباشرة،أو الحرمان من مزايا اقتصادية أو مادية بعينها.

ومن ثم، فقد تبلور تأثير النظام الاقتصادي العالمي في الموجتين الثالثة والرابعة من التحول الديمقراطي عن طريق نوعين من الاستراتيجيات، الأولي هي استراتيجية الربط، وتقديم حوافز مادية للدولة حديثة التحول نحو الديمقراطية. أما الاستراتيجية الثانية،فهي القدرة على الضغط والإكراه، التي تعد المشروطية السياسية إحدي أدواتها(3). ويأتي دور نظام المعونة الدولية، وفي القلب منه مؤسسات بريتون وودز(البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) كحلقة وسط تعكس تأثيرات النسق الدولي على نظم الحكم في الدول المتلقية للمعونة(4)، بعبارة أخري،يلعب نظام المعونة الدولية دورا أشبه بالعدسة المحدبةconverging lens التي تقوم بتركيز وتجميع المؤثرات الصادرة من البيئة الدولية، وتوجيهها تجاه الدول المتلقية للمعونة.

ويشير التشبيه بالعدسة إلى عدة عناصر في العلاقات بين الداخل والخارج، ودور المؤسسات المالية في هذا الإطار. فمن ناحية، يشير إلى أن طبيعة العلاقة بين الأطراف هي علاقةغير متكافئة، حيث إن اتجاه التأثير أغلبه من الخارج إلى الداخل. ومن ناحية أخري، يشير التشبيه إلى أن المؤسسات المالية الدولية،كقناة أو وسيط للعلاقة بين النظام الدولي والدول المتلقية للمعونة،ليست قناة محايدة،أو تلعب دور المرآة العاكسة فحسب، وإنما تتمتع بنفوذ وتأثير ذاتي قد يعظم من المعطيات الخاصة بالسياق الدولي، أو يمارس تأثيرا وسيطا على تداعياتها في سياقات محلية وإقليمية بعينها.

لقد كان التوجه نحو فرض المشروطية السياسية على مستوي منظومة المعونة الدولية هو انعكاسا لتغيرات نسقية عقب الحرب الباردة،من قبيل تراجع دور حسابات الجغرافيا السياسية،وإعلاء قيم الليبرالية الاقتصادية والسياسية. وقد ترجمت منظومة المعونة تلك التغيرات على مستوي سياستها، من خلال برامج محددة اصطبغت بمفاهيم التنمية والحكم الرشيد الخاصة بالبنك وصندوق النقد الدوليين،ومشفوعة بآليات تنفيذية معينة،وعلاقات بالنخب،خاصة الاقتصادية،داخل الدول المتلقية للمعونة.

وفي هذا السياق، فقد شهد عقد التسعينيات الصعود المتزامن للمشروطية السياسية التي طبقتها المؤسسات المالية الدولية،في ظل برامج الحكم الرشيد، والاتجاه إلى تبني التعددية السياسية والحزبية في العديد من الدول النامية شديدة الاعتماد على المعونة،خاصة في إفريقيا، والتي كانت في جوهرها تربط بين المساعدات الاقتصادية، وتطبيق الدول لخطة إصلاح اقتصادي تمزج بين سياسات التحرير الاقتصادي،والحد الأدني من قواعد الحكم الديمقراطي، خاصة في بعده الإجرائي،المتمثل في السماح بالتعددية الحزبية،وإجراء انتخابات تعددية حرة. ومن ثم، تعد منظومة المعونة الدولية، والتي تصاعدت في إطارها قيمة الديمقراطية والآليات الإجرائية التي طورت في هذا الصدد-بدءا من الأجيال المختلفة من المشروطية الاقتصادية والسياسية، وصولا إلى نظام ما بعد المشروطية- هي التجسيد الرئيسي لتفاعلات النظام الاقتصادي العالمي مع عمليات التحول الديمقراطي في الدول النامية.

ولا يمكن فهم هذا التصاعد لقيمة الديمقراطية في ممارسات منظومة المعونة الدولية سوي في ضوء قيم القوي المهيمنة في إطارها.فبناء القوة بداخل تلك المؤسسات منذ نشأتها سمح للقوي الكبري بلعب أدوار مؤثرة،وبتوجيه سياساتها. فقد كان للولايات المتحدة الأمريكية دور كبير في تأسيس هاتين المؤسستين،وتحديد نطاق عملهما، ومن ثم أصبح لها نسب حاكمة في عملية اتخاذ القرارات في المؤسستين، بحيث عكس نظام الحصص وآلية اتخاذ القرار هذا الوضع المهيمن للولايات المتحدة،التي استحوذت على نحو30٪من الأصوات، بما يعطيها ما يشبه الفيتو في مجلس الأمن على صعيد القرارات الاقتصادية.

وبرغم صعود قوي اقتصادية،كالصين والهند والبرازيل، وحدوث تغير فيما يتعلق بنظام الحصص وبالقوي التصويتية لتلك الدول، لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بحصة مهيمنة في عملية صنع القرار. وبخلاف القدرة على التأثير المباشر في القرار بداخل منظومة المعونة الدولية، تؤثر منظومة القيم السائدة في الدول الكبري، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية،في منظومة القيم التي يتبناها ويروجها النظامorder ، بحيث ارتبط تصاعد قيم الديمقراطية في إطار منظومة المعونة الدولية بعد الحرب الباردة، مع تصاعد مقولات نهاية التاريخ،وتسيد نموذج ديمقراطية اقتصاد السوق الغربية.

إلى جانب نظام المعونة الدولية، قد تلعب بعض المنظمات الإقليمية والمنظمات ذات العضوية الاختيارية، سواء ذات الطابع الاقتصادي الخالص،أو المختلط،دورا مشابها في التأثير في التحول الديمقراطي،مقابل عوائد محددة منظورة أو متوقعة. وبالتالي،تعد عضوية دولة ما نوعا من الالتزام الطوعي،أو تقييد اليدين بالقواعد والمعايير السائدة في تلك المنظمات، والتعهد باحترامها.ومن ثم،تعد العضوية في هذه الحالة أداة لإثبات الالتزام بقيم أو معايير أو سياسات بعينها(5).

هذه الحالة الأخيرة تصف بشكل أوضح عمليات التحول في دول أوروبا الشرقية والمعسكر الاشتراكي السابق، والتي مثل انضمامها للمنظمات الأوروبية الغربية نوعا من التعهد الطوعي باتباع سياسات اقتصاد السوق الحر والتحول الديمقراطي في عقد التسعينيات، كان أحد حوافزها أو بواعثها الانضمام للاتحاد الأوروبي،بما يرتبه ذلك من مزايا.

حدود ومحاذير تأثير منظومة المعونة الدولية في التحول الديمقراطي:

تثور العديد من المحاذير العملية والمنهجية بخصوص تأثير النظام الاقتصادي العالمي ومنظومة المعونة الدولية في التحول الديمقراطي. ومن أبرز هذه المحاذير:

أولا- لا تعمل تلك المنظومة تلقائيا أو القوي الفاعلة في إطارها على دعم التحولات الديمقراطية،انطلاقا من اعتبارات قيمية أو معيارية تتعلق بمبادئ الديمقراطية في حد ذاتها، وإنما رغبة في تأمين مصالحها الاستراتيجية.ومن ثم،فقد يكون النظام الاقتصادي العالمي، وفي القلب منه منظومة المعونة،محايدا إزاء مسألة الديمقراطية،أو حتي معوقا لها،في حالة التعارض مع مصالح أخري جوهرية،سواء من وجهة نظر القلب المؤسسي لتلك المنظومة،أو القوي الكبري الفاعلة في إطارها.

ثانيا- إن نوع الديمقراطية التي قد يلعب العامل الخارجي،وبخاصة النظام الاقتصادي العالمي،دورا في تحفيزها أو دعمها،هي في الأغلب ذات طابع إجرائي،متمثلة في إجراء انتخابات تعددية بشكل دوري ونزيه، كما ترتبط بشكل وثيق بالنظام الاقتصادي الرأسمالي،أي هي ديمقراطية اقتصاد السوق.

ثالثا- إن تأثير العامل الاقتصادي الخارجي أكثر وضوحا في تفكيك النظم السلطوية،أو دعم الزخم باتجاه إطلاق عملية انفتاح سياسي، عنه في المراحل اللاحقة من التحول، والتي تعد أكثر تعقيدا،وتقل قدرة وإمكانات التأثير إزاءها.

رابعا- إن النظام الاقتصادي العالمي دأب على الضغط من أجل الدفع في سبيل الانفتاح السياسي،من خلال آليات قسرية،مثل قطع أو تعليق المعونات،أكثر من حرصه على”مكافأة” التحولات الديمقراطية بمنح تدعم استمرارية التحول،وهي الحالة التي اقتصرت تقريبا على دعم التحول في شرق أوروبا.

خامسا- إن هناك وجهة نظر مضادة، مدعومة بخبرات إمبريقية،تذهب إلى أن الدور الخارجي بوجه عام، وآلية المعونة بوجه خاص،قديكونان معوقين للتحول الديمقراطي من خلال الحديث عن”لعنة المعونة”Curse of Aid ، حيث إنها تقدم موارد ريعية، قد تقلل الحافز للإصلاح،أو توظف سياسيا لتعزيز الولاء للنظم القائمة،أو إفساد المعارضة، خاصة في حالات الدول التي تتمتع بأهمية استراتيجية،أو تقدم نظمها”خدمات”،أو ترتبط بتحالفات مع القوي الفاعلة في النظام(6).

بعبارة أخري، فإن منظومة المعونة الدولية تكون أكثر فعالية في التأثير في التحول الديمقراطي في حالة الدول التي تتسم بانكشافية تجاه التغيرات والضغوط التي تمارس من قبل المؤسسات المالية الدولية. وتتناسب تلك الانكشافية مع مدى اعتمادية الدولة على المعونة من ناحية،بمعني مدى الحاجة المباشرة للدعم المادي والمعونات الاقتصادية في لحظة ما، وضعف أوراقها التفاوضية من ناحية أخري، بمعني عدم تمتعها بأوراق تساومية.

ومن ثم، يتفاوت تأثير نظام المعونة الدولية من دولة لأخري،وفي الدولة  نفسها من وقت لآخر،وفقا للموقف التفاوضي للدولة أو رأسمالها التفاوضيNegotiating Capital ، والذي يعتمد بدوره على تفاعل عدة عوامل،منها: الوضع الاقتصادي للدولة،ومدى احتياجها للمعونة، والمكانة الاستراتيجية للدولة، والتي تتناسب عكسيا مع قدرة العوامل الخارجية على التأثير. كذلك،  يدخل في الحسبان سمعة النظام الحاكم،ومدى الشرعية الداخلية التي يتمتع بها(7). وبالتالي،فمفهوم رأس المال التفاوضي هو مفهوم ديناميكييتغير من لحظة زمنية لأخري،وفقا لحسابات الموقف،والقدرة على التأثير أو المساومة. ويفسر هذا الأمر اتجاه بعض الدول المانحة إلى التضحية بحلفائها التقليديين في حالة التدني الشديد لشعبيتهم،أو تزايد التكلفة المادية أو المعنوية لتوفير الغطاء السياسي،أو الدعم الاقتصادي لهم.

وتمارس منظومة المعونة الدولية تأثيرها من خلال قناتين رئيسيتين، هما:

أولا- القيم أو المعايير أو الأفكار السائدة.فالآلة البيروقراطية العملاقة للمؤسسات المالية الدولية،وعلاقتها المباشرة بالنخب الاقتصادية في النظم المختلفة، فضلا عن دورها في إنتاج”المعرفة” أو المعلومات التي تأخذ طابع”العلم”، وما يدخل في تعريف”الرشادة” في السياسات من عدمها، كل ذلك يمارس نوعا من التأثيرغير المادي أو المحسوس على سلوك الدول، وذلك من خلال عدة أشكال من التأثير،أشار إليها كارسنيرKrasner ، ومنها التأثير التعاقدي،والإجرائي،والقسري،والتأسيسي.

وقد قدم مفهوم”الحكم الرشيد”  Good Governanceمظلة فكرية،وحزمة من السياسات والبرامج،لعبت المؤسسات الدولية المانحة أحيانا من خلالها أدوارا سياسية مباشرة، رغم أن تعريف المفهوم والإجراءات المرتبطة به قد تباين على مدى الفترات الزمنية المختلفة. ويعكس واقع الممارسة تداخل الحسابات والعوامل السياسية بشكل كبير مع العوامل الاقتصادية أو الفنية في توجيه قرارات المؤسسات المالية الدولية، في منح أو تعليق المساعدات الاقتصادية،بحيث عكست نوعا من التدخل السياسي ذي المنحي،والأدوات الاقتصادية أو التنموية.

ثانيا- التأثير المادي المباشر،المتمثل في القدرة على المنح والمنع،أو هيكل الحوافز والعقوبات، سواء التي تقدمها المؤسسات المانحة مباشرة، أو التي تحفز الغير على تقديمها،في حالة تعبيرها عن”الرضاء” عن السياسات الاقتصادية والسياسية،والأوضاع العامة في الدول المتلقية للمعونة.

ومن ثم، يتمتع نظام المعونة الدولية بالتأثير،بشكل مباشر،من خلال التأثير المادي في عملية صنع القرار في الدول النامية، من خلال سلطة المنح والمنع، فضلا عن التأثيراتغير المباشرة،من خلال إسباغالشرعية على أفكار وسياسات وممارسات بعينها، لذلك برز الحديث عن أثر سلطة الأفكار. هذا النوع الأخير من التأثير في توازن القوي الداخلي في المجتمع هو الأصعب في القياس،لأنه يتم بشكلغير مباشر، الأمر الذي يترتب عليه الصعوبة المنهاجية في عزله أو تقييم آثاره.

وقد تصاعد منحني استخدام المشروطية السياسية من قبل المؤسسات المالية الدولية،خلال عقد التسعينيات على وجه الخصوص، حيث طبقت في هذه الأثناء أشكال متفاوتة من الضغوط على الدول متلقية للمعونة،من قبيل الشروط المرتبطة بالقروض، فضلا عن الميل إلى الوقف المتكرر،أو قطع وتجميد برامج المعونة لحسابات سياسية. ومن ثم،فقد كان الحصول على معونات تنموية في تلك الفترة مرهونا في العديد من الحالات بالالتزام بعدد من القواعد والسياسات ذات المضمون السياسي،والتي تدفع في سبيل الإصلاح المؤسسي،ومعايير محددة للإصلاح الاقتصادي والسياسي. وترصد بعض الدراسات أن الاتجاه إلى التشدد في المشروطيات،بشكليها السياسي والاقتصادي،كان أكثر بروزا تجاه الدول الأكثر فقرا،أو أكثر احتياجا للمعونات.

ومنذ نهاية التسعينيات، دفعت تحولات في النظام الدولي إلى مراجعات في مقولات وممارسات المؤسسات المالية الدولية،خاصة فيما يتعلق بالمشروطية السياسية. هذا التراجع قد تزامن مع تغلغل بعض مفردات الحكم الرشيد في الأجندة الوطنية لبعض الدول. ومن ثم،فالتراجع الظاهري للدور الخارجي قد ارتبط بنوع من توطين الفكرة من ناحية، وقدرة أعلى على المراوغة والتقيد الشكلي من قبل الأنظمة الحاكمة من ناحية أخري.

فقد شهدت التسعينيات الصعود المتزامن لتطبيقات وسياسات الحكم الرشيد من قبل المؤسسات المالية الدولية، والاتجاه إلى تبني التعددية السياسية والحزبية في العديد من دول إفريقيا جنوب الصحراء، وهي تلك المجموعة من الدول الأكثر احتياجا للمساعدات الاقتصادية،والأكثر انكشافية لتأثيرات النظام الاقتصادي العالمي. بينما حدث تزامن،ولكن في الاتجاه المضاد،منذ بدايات القرن الحادي والعشرين. فمنذ نهاية التسعينيات، تراجعت التوجهات التدخلية في المجال السياسي من قبل المؤسسات المالية الدولية، وكذلك تقلصت التوجهات الديمقراطية-وفقا للتعريف الإجرائي المتبني في الدراسة- أو اتجهت في بعض الحالات للتراجع، والتي لا تشكل مع ذلك انتكاسا للظاهرة التي بزغت في التسعينيات.

هذه العلاقة الارتباطية التي ترصدها الكثير من التحليلات الكيفية تدعمها كذلك بعض التحليلات الكمية والدراسات الإمبريقية التي وجدت علاقة إحصائية إيجابية،أو تأثيرا مباشرا لمنظومة المعونة في التحول الديمقراطي في الدول المعتمدة على المعونة،وإن كانت درجة التأثير ضعيفة. حيث ترصد بعض الدراسات ذات الطابع الإحصائي هذا المنحني من الصعود والهبوط لتأثير النظام الاقتصادي العالمي في التحول الديمقراطي من خلال مؤشر تحسن تقييم الدول المتلقية للمعونة على مقاييس الديمقراطية الذائعة،مثل مقياس فريدوم هاوس،أو بوليتي فور(8)، حيث اتجهت العلاقة بين المشروطية السياسية والتحول الديمقراطي(وفقا لذلك المعيار الإحصائي) إلى التراجع أو الانتكاس عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية عام.2001

وفي هذا السياق، اتجهت منظومة المعونة الدولية إلى استبدال نظام ما بعد المشروطيةPost-Conditionalityبنظام المشروطيةConditionality، ذلك المفهوم الذي يتراجع ضمنيا عن فكرة فرض التحولات من الخارج، ويطرح مفهوم الامتلاك، بحيث تتبني الدول النامية سياسات مصممة داخليا،ويتقلص في إطارها الاتجاه الذي ساد في التسعينيات إلى فرض شروط واضحة ذات طبيعة سياسية،كثيرا ما كانت تتعلق بتعديلات دستورية،أو إجراء انتخابات تعددية.

جوهر التحولات في إطار نظام ما بعد المشروطية أن المشروطية السياسية،على وجه الخصوص،أصبحت تمارس من جانب المؤسسات الدولية بشكل انتقائي، وهو تراجع في كثافة التطبيق،وليس في جوهر الفكرة، حيث اتجه التركيز على أدوات التأثير الناعمة، والعمل من خلال الفاعلين الداخليين. إلا أن الممارسة العملية تشير إلى أن جوهر المشروطيات وإطارها الحاكم ظل على حاله، فالتغير الأساسي حدث على مستوي”خطاب” المؤسسات المالية الدولية.

ويعد هذا التراجع انعكاسا للتغييرات التي حدثت على مستوي النسق الدولي،سياسيا واقتصاديا. فعلى المستوي السياسي، طغت حسابات الحرب على الإرهاب على دوافع دعم الديمقراطية، بحيث اتجهت الولايات المتحدة في عهد بوش الابن إلى تأمين ولاء ومساعدة الأنظمة الإقليمية،خاصة المحورية،في”حربها على الإرهاب”، وهو ما أعاق ممارسة أي نوع من المشروطية السياسية الفعالة إزاء تلك النظم.

أما على الصعيد الاقتصادي، فإن الأزمة الاقتصادية العالمية، عام2008، وبروز دور قوي اقتصادية صاعدة،مثل دول البريكسBRICS، والتي لعبت أدوارا مؤثرة فيما يتعلق بقواعد التصويت،وإسهامات الدول،وعمل لوبي للدول النامية داخل تلك المؤسسات،كل ذلك أثر في توجهات تلك المنظومة فيما يتعلق بالمشروطية السياسية. فقد تأثر نظام ما بعد المشروطية بوجود مانحين جدد لا يولون مسألة طبيعة النظام السياسي في الدول المتلقية للمعونة أو الديمقراطية الاهتمام. ومن ثم، فرض هؤلاء- خاصة الصين- بشكل ما تعديل قواعد اللعبة، أو أعادوا هامش المناورة للدول النامية، والتي كانت قد تلاشت بانتهاء الحرب الباردة.

دور النظام الاقتصادي العالمي في تحولات الربيع العربي:

بدأت موجة التحولات السياسية في عدد من الدول العربية بعد الثورات، في ظل تراجع الدور الخارجي”الضاغط” أو الداعم للتحول الديمقراطي بوجه عام، خاصة من قبل المانحين الرئيسيين والمؤسسات المالية الدولية، في ضوء الحسابات السياسية والاقتصادية المشار إليها. يضاف إلى ذلك الضعف النسبي لتأثير النظام الاقتصادي العالمي كسياق حاكم لعملية التحول الديمقراطي العربي، فإن القوة التفاوضية للعديد من الدول العربية التي تشهد حالات تحول لا تعبر عن موقع تفاوضي منكشف إزاء النظام الاقتصادي العالمي، لعدم اتسام بعض تلك الدول باعتمادية على المعونة الاقتصادية الغربية، والتي يعد مقياسها المعتاد هو أن تشكل المعونات الاقتصادية نسبة تساوي أو تزيد على10٪من الناتج المحلي الإجمالي للدولة المتلقية للمعونة.

في الوقت نفسه، تتمتع معظم الدول العربية بأهمية استراتيجية وأوراق تفاوضية أخري،تعوق فرض مشروطية سياسية واضحة عليها، وهو ما يفسر تأخر أو تردد القوي الدولية في دعم الثورات في مراحلها الأولي في معظم هذه الدول.

فإذا كان نظام المعونة الدولية يلعب دورا أشبه بـ”العدسة المحدبة” تجاه الدول المتلقية للمعونة، فإن التأثيرات الموجهة من البيئة الدولية،خاصة من النظام الاقتصادي العالمي،والموجهة لدعم التحول الديمقراطي في الوقت الحالي بوجه عام،وإزاء تلك المجموعة من الدول بوجه خاص، هي أكثر تشتتا وترددا من أن تحدث تأثيرا كبيرا في عمليات التحول الجارية في دول الربيع العربي.

ومع ذلك، فلا يمكن استبعاد التأثير النسبي،خاصة في حالات حدوث تصاعد في حاجة دولة ما للمعونة،بمايعرضها لانكشافية متزايدة في رأسمالها التفاوضي،ولو بشكل مؤقت،أو حدوث خلل ملحوظ في القدرة التفاوضية للدولة إزاء مجتمع المانحين،بما في ذلك التراجع الحاد في شرعية النظام الحاكم،والذي قد يضع مجتمع المانحين في حرج، وهو ما عبر عنه التذبذب في موقف صندوق النقد الدولي إزاء القرض المصري.

 

التوسع العمراني في تشاد … ما بين ضروريات التطور وآليات التنفيذ

ndjamena
بقلم/ سعيد طه

ارتبطت عملية التوسع العمراني تاريخياً بالزيادة السكانية وتوسع المدن من خلال عمليات البناء والتشييد العمراني وازدياد عمليات الهجرة من الأرياف إلى المدن بحيث أصبحت ظاهرة التوسع العمراني أحد أهم المشاكل التي تواجهها العديد من الدول وباتت تشكل أحد التحديات الرئيسية التي تواجه العديد من المجتمعات في الوقت الحالي. وقد ساهم هذا الأمر في أن تحظى عملية التوسع العمراني باهتمام واسع ليس فقط من قبل المتخصصين والباحثين في مجال التخطيط العمراني والهندسة، بل من قبل الباحثين في مجالات أخرى مثل الخدمة الاجتماعية والاقتصاد والعلوم السياسية … !

لقد أصبح التعامل مع عملية التوسع العمراني لأي مدينة في العالم مطلباً ضرورياً من أجل مواكبة الوتيرة المتسارعة لعمليات التحديث والتمدن في عصر العولمة وثورة المعلومات إضافة إلى أنه مع ازدياد أعداد السكان وتداخل وتعدد أنماط التخطيط العمراني واتساع رقعة مساحة الأحياء السكنية فإن التفكير الجاد في وضع خطط لتنظيم عملية التوسع العمراني يعد بمثابة مسألة هامة لابد من أخذها بعين الاعتبار.

وتشير الأدبيات التي تناولت ظاهرة التوسع العمراني إلى أن هذه الظاهرة تأخذ شكلين هما التوسع العمراني الأفقي والتوسع العمراني العمودي. فقد يكون التوسع العمراني العمودي من خلال تشييد العمارات والمجمعات والأبراج التجارية والسكنية حيث تتمثل أبرز التجارب الناجحة لمثل هذا النوع في تجربة كل من سنغافورة وهونغ كونغ. كما يكون التوسع العمراني الأفقي من خلال تشييد المباني والمساكن على امتداد أفقي يتسع كلما ازدادت عمليات البناء حيث تعتبر تجربة الإمارات العربية المتحدة من التجارب الناجحة لهذا النوع.

لقد بدأت معالم هذا التوسع العمراني تظهر في تشاد خلال السنوات الأخيرة خاصة في مدينة أنجمينا التي بدأت تشهد عمليات توسع عمراني ملحوظ من خلال عمليات البناء والتشييد في الأحياء السكنية المطلة على ضواحي العاصمة التي شهدت توسعاً ملحوظاً خلال السنوات العشر الأخيرة. إضافة إلى أن الدولة بدأت تواجه هذا التوسع العمراني من خلال إقامة مشاريع للبنى التحتية مثل بناء الطرق ورصفها …. الخ

وفي هذا الإطار يمكن طرح العديد من التساؤلات حول عملية التوسع العمراني في تشاد وطبيعة الآلية التي يتم من خلالها تنظيم هذه العملية وإقامة المشاريع الهادفة إلى التغلب على الآثار السلبية الناتجة عن ذلك.

إن الحديث عن عملية التوسع العمراني في تشاد يحتاج ليس فقط إلى مقالات قصيرة بل إلى دراسات وأبحاث تقيم هذه العملية من كافة النواحي الفنية والاقتصادية والاجتماعية …! وحتى نكون منصفين تجاه ما نشهده اليوم من عمليات توسع داخل مدينة أنجمينا على وجه الخصوص، فإن ما تشهده البلاد في الوقت الحالي من تغير طفيف في عمليات البناء والتشييد هو بمثابة خطوة ضرورية لعل وعسى أن تكون توجهاً يلبي حاجات ومتطلبات المجتمع التشادي التواق إلى مزيد من الإصلاح والتطور … وحتى نكون عمليين ولا ننجر وراء النزعات العاطفية فإنه يجب مواجهة الأمر الواقع المتمثل في حقيقة أن عملية التوسع العمراني في مدينة أنجمينا في الوقت الحالي لا تلبي الطموحات المتوقعة وتتسم بالعشوائية وعدم التنظيم … وبالتالي فإنها تفرض على الجهات الرسمية البحث عن حلول ناجحة لهذه العملية.

إننا اليوم بحاجة ماسة إلى أن تكون خطط التوسع العمراني في تشاد مواكبة لتقلبات العصر الحالي المتسارعة وأن يتم الشروع في إستغلال المساحات الشاسعة من الأراضي في البلاد والتي تعتبر أراضي خصبة يمكن أن تشيد فيها مشاريع حديثة تلبي تطلعات الشعب وأن يكون التوسع العمراني على امتداد جغرافي يربط بين مختلف المناطق في تشاد. إن البلاد تحتاج إلى آليات فعالة وخبراء متخصصين في هذا المجال كما أننا بحاجة إلى الاستعانة بالخبرات السابقة للدول التي نجحت في إقامة مشاريع عمرانية ضخمة وبإشراف كامل من الدولة التي يجب عليها وضع سياسات ناجحة تأخذ في الحسبان الجانب الفني والاقتصادي والاجتماعي. فليس من المعقول أن يقوم المواطنين وبمواردهم المالية البسيطة بتشييد المباني السكنية دون أن تقدم لهم الجهات الرسمية الدعم اللازم في ظل الغلاء الفاحش في أسعار مواد البناء وصعوبة الحصول عليها …!

وبالتالي لابد من وضع سياسات صارمة تجاه عملية التوسع العمراني حتى لا يكون هذا التوسع عشوائياً وعلى حساب التمدن في تشاد. وفي هذا الإطار يمكن تسليط الضوء على أبرز الملاحظات التي نتمنى من الجهات الرسمية أخذها بعين الاعتبار من أجل ضمان نجاح وإقامة توسع عمراني ومجتمعات حضرية في تشاد. وتتمثل أولى الملاحظات في أنه يجب عدم حصر عملية التوسع العمراني في مدينة أنجمينا وحدها وذلك تفادياً لعمليات هجرة ونزوح للسكان من القرى والمدن الأخرى التي قد ينتج عنها تكدس السكان في منطقة واحدة خاصة وأن مدينة أنجمينا أصبحت أكبر المدن ذات الكثافة السكانية العالية.

وتتمثل الملاحظة الثانية في أنه يجب ربط المدن التشادية ببعضها البعض من خلال إقامة مشاريع اقتصادية أو تعليمية أو صناعية خاصة في المدن المطلة على المناطق الجنوبية والشرقية والشمالية في البلاد حيث أن مثل هذه الحلول قد تساهم في التخفيف من عمليات التكدس السكاني في مدينة واحدة وتساهم كذلك في عملية توسع المدن التشادية الأخرى.

كما تتمثل الملاحظة الثالثة في أنه يجب أن تواكب عملية توسع المدن التشادية مشاريع للبنى التحتية بهدف ربط شبكة المواصلات بين هذه المدن وكذلك إقامة مشاريع التنمية بهدف تنمية المجتمعات التي تعيش في هذه المدن وتحسين الخدمات وتوفير فرص عمل ملائمة بهدف تشجيع السكان على الاستيطان في هذه المناطق.

وخلاصة القول فإن ما نفتقده اليوم في بلادنا تشاد هو عمليات التوسع العمراني – الذكي وليس العشوائي- المبني على دراسات معمقة تضع حلولاً ناجحة من أجل أن تنال تشاد مكانتها الطبيعة بين سائر الأمم. وقد تتفق أو تتعارض الآراء حول الآلية المناسبة لذلك إلا أننا لن نختلف في أننا بحاجة ماسة إلى آليات فعالة تلبي طموحات وتطلعات الشعب وتواكب متطلبات العصر … ومن باب إنساب الفضل لأهله فإن الأفكار الواردة في هذا المقال أعيدت صياغتها وأضيفت إليها أفكارا جديدة بناءً على الآراء الأولية التي قدمها لي أحد الزملاء الأفاضل أثناء الحديث معه عن التجارب الناجحة لعملية التوسع العمراني في الدول العربية.

 

هل سيترك أوباما إيران تشعل فتيل الحرب العالمية الثالثة؟

2013-634967014020702819-70

مجلة السياسة الدولية:

عرض: طارق راشد عليان- باحث علوم سياسية

من الممكن أن تكون بين يدي إيران قنبلتها الذرية الأولى في غضون ما بين أربعة وستة أشهر من اتخاذ نظامها الحاكم قرارًا ببناء قنبلة من هذا النوع، وذلك بحسب تقييم أصدره مؤخرا عاموس يادلين، مدير الاستخبارات العسكرية بجيش الدفاع الإسرائيلي سابقًا. وقبل ذلك، أعلنت طهران أنها سوف تستخدم الآن ما يصل إلى ثلاثة آلاف جهاز طرد مركزي من نوع  IR-2M، والتي يمكنها تخصيب اليورانيوم بسرعة تبلغ نحو أربعة أضعاف معدل التخصيب الحالي لدى إيران.

ويصف فريد كاجان، مدير مشروع التهديدات الحرجة في معهد المشروع الأمريكي، تركيب أجهزة الطرد المركزي من نوع IR-2M بأنه “يقوض واحدًا من الافتراضات الجوهرية للسياسة الأمريكية الحالية” بأن الاستخبارات الأمريكية لم تستطع أن تتبين عبور إيران عتبة أساسية، وتطويرها مادة نووية من الدرجة المستخدمة في صنع الأسلحة. فأجهزة الطرد المركزي من نوع  IR-2M، بما تتميز به من سرعة أكبر كثيرًا، قادرة على أن تمكّن إيران من إنتاج ما يكفي من اليورانيوم عالي التخصيب لصنع سلاح نووي واحد في غضون نحو أسبوع، وهي المدة الزمنية التي قد يغيبها مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن المنشآت النووية الإيرانية بين زيارة والتي تليها. فماذا عن أسباب تحدى إيران المجتمع الدولي حاليًا بهذه الجرأة، وعلى نحو يترك حتى وقتًا أقل للتصدي لطموحاتها النووية؟

دوافع إيران للإسراع بقنبلتها النووية

يقول نوا بيك، في تحليل نشره موقع “The Commentator”، هناك توليفة من الأحداث تدفع إيران للإسراع نحو صنع الأسلحة النووية. ففريق الأمن القومي الأمريكي يمر الآن بأشد حالات انعدام الفعالية. وجاري سامور – منسق البيت الأبيض لقضايا الحد من التسلح وأسلحة الدمار الشامل والإرهاب، والعضو الأساسي في فريق الرئيس باراك أوباما، المعني بالتفاوض مع إيران – في طريقه إلى الرحيل.

وأضاف التحليل: “كما أن جون كيري يقضي الآن أيامه الأولى في منصبه كوزير الخارجية، وتشاك هاجل – المرشح المفضل لدى إيران لتولي وزارة الدفاع بفضل أفكاره المعادية لإسرائيل والمؤيدة لطهران – يتمتع بحظوظ وافرة في أن يجري تأكيد تعيينه في منصبه، انطلاقًا من السياسة الحزبية، وذلك على الرغم من الصورة المحرجة التي بدا عليها بثرثرته الجوفاء، وعدم صلاحيته لتولي المنصب خلال جلسات الاستماع التي عقدت الأسبوع الماضي في مجلس الشيوخ لتأكيد تعيينه، على حد توصيف الكاتب.

وزاد بيك بقوله: “وبقية العالم مشغول بأمر اقتصادات منطقة اليورو، والخلاف المتنامي بين اليابان والصين، والنظام الحاكم الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته في كوريا الشمالية، والانهيار الداخلي الذي تتعرض له مصر، بعد أن تبين أن “الربيع العربي” أقل نضارة بكثير، حالما انقض عليه الإسلاميون المصريون”، على حد قول الكاتب. وهناك سوريا، ومأزق القوى العظمى في مواجهة تصاعد معدلات القتل يوميا. طبعًا حتى لو لم تكن القوى العالمية الأخرى منشغلة جدًا، فهي إما تفتقر إلى الحماس، وإما لا مصلحة لها في مواجهة إيران على نحو يمكنه فعلًا أن يوقف برنامجها النووي، بحسب ما أفاد بيك.

ويرى الكاتب أن إسرائيل لا تزال هي التي يمكنها أن تحاول التصدي للتهديد العالمي الذي يشكله بلد يفوقها في الحجم نحو 80 مرة. لكن هنا، ومن جديد، يتآمر الوقت – مقرونًا بجميع الظروف الأخرى المذكورة – ليصب في صالح سياسة حافة الهاوية الإيرانية. وعلى الرغم من التعقيد اللوجيستي، والمخاطر التي تنطوي عليها محاولة إسرائيل توجيه ضربة أحادية الجانب ضد أهداف إيران النووية الخاضعة للحماية والمتناثرة جغرافيًا، فإن القيام بذلك في الظروف الجوية الشتوية لن يزيد هذا التحدي إلا صعوبة. وبمقدور إسرائيل مع ذلك أن تحاول تحييد التهديد بغواصاتها وقذائفها الباليستية التي تُطلق من السطح. لكن نظرًا لأن هذه الاستراتيجية- من دون ضربات جوية – أقل احتمالًا حتى في نجاحها، فإن عواقبها يمكن أن تكون حتى أكثر فوضوية، بحسب الكاتب.

الصفقة الأمريكية تجاه النووي الإيراني

لا أحد طبعا يريد الحرب، ومن الأفضل أن نحل صراعاتنا سلميًا، هكذا تمضي المقولة الدارجة. لذا، فالنهج المفضل هو حل الأزمة النووية الإيرانية بالمحادثات الدبلوماسية، لكن هذا النهج جُرّب لمدة تناهز عقدًا من الزمان دون نتائج. ومع اقتراب إيران من خط النهاية النووي، فإنها تفضل الحديث عن المحادثات، بحيث تضيف تأخيرات في المواعيد الزمنية، والعديد من الشروط المسبقة والمناقشات بشأن مكان الانعقاد لكسب المزيد من الوقت. بل إن قيام إيران الآن باستخدام أجهزة الطرد المركزي المتقدمة من نوع IR-2M يترك وقتًا أقل لـ”التحدّث”، وفقًا لتحليلThe Commentator.

ومن وجهة نظر الكاتب، فإن التصريحات التي تفتقر إلى القوة، وتتحدث عن الشعور بخيبة الأمل، والإدانة من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لم تُجْد نفعًا في وقف مسار الحرب االذي تسير فيه إيران مثلما هي لم تجد نفعًا في وقف المذابح اليومية التي يرتكبها الأسد. إن تهديدًا حقيقيًا وجديرًا بالثقة باستخدام القوة الساحقة ضد إيران هو وحده الذي يستطيع أن يمنع بشكل سلمي أية كارثة محتملة، والولايات المتحدة هي وحدها القادرة على توجيه مثل هذا التهديد، بحسب نوا بيك .

ووفقًا للكاتب، فإن الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة التي يمكنها أن توجد حلًا سلميًا بأن تعرض على إيران صفقة ضخمة تشتمل على ضمانات أمنية، وحوافز اقتصادية سخية. فإذا كان النظام الإيراني مسالمًا (أو عقلانيًا)، فينبغي عليه حينئذ أن يسارع بقبول مثل هذه الصفقة. لكن إذا رفضت إيران عرضًا أمريكيًا تاريخيًا، فسيكون من الواضح أن نظامها الحاكم لديه أهداف نووية عسكرية يجب وقفها على أيدي القوة الوحيدة التي يمكنها أن تفعل ذلك بسرعة وحسم، ودون التمخض عن حرب نووية تستنزف المنطقة كلها، وتخلف الملايين من القتلى.

ربما يفضل أوباما الانعزالية، لكن لنا في أحداث الحادي عشر من سبتمبر تذكرة مؤلمة بأن التهديدات الوخيمة يمكنها أن تصل إلينا بسهولة في عالمنا المتشابك الصغير هذا، برأي الكاتب. وذهب نوا بيك إلى القول إن الولايات المتحدة فشلت في اتخاذ زمام المبادرة بشأن سوريا، مما مهد الطريق أمام الجيل التالي من الجهاديين المعادين للولايات المتحدة، كي يرسخ جذوره هناك. إن إيكال مهمة التصدي لأكبر تهديد أمني في العالم لإسرائيل الصغرى هو الصورة الأكثر تهورًا من المقامرة عالية المخاطر.

وإذا اضطُر الإسرائيليون إلى التصرف للحيلولة دون احتمال تعرضهم لحرب نووية على أيدي حكومة دينية إقليمية راديكالية، بحسب وصف الكاتب، فالأثر الذي سيترتب على الولايات المتحدة – بداية من الارتفاع الحاد في أسعار النفط، وانتهاء بالعواقب الإقليمية والأمنية- سوف يجعل أوباما يتوق إلى الأيام التي كان بمقدوره فيها أن يواجه القضية بتكلفة أقل قطعًا.

والحقيقة، يقول الكاتب، إنه يجب على الانعزاليين أن يدركوا أنه لا يوجد مجال للتواري من هذه المشكلة. فالاختيار المتاح أمام أوباما هو الاختيار بين أن يتصدى للتهديد النووي الإيراني قبل أن يتحول بسرعة إلى ما لا تحمد عقباه، وأن يصلي داعيًا أن تتجنب الولايات المتحدة بطريقة أو بأخرى تأثرها، بعد أن تضطر إسرائيل إلى إحباط تهديد يواجه وجودها بأفضل ما يمكنها فعله.

فهل سينتظر أوباما ليرى ما إذا كانت إيران متهورة بدرجة كافية لإجبار إسرائيل على التصرف وشن حرب عالمية ثالثة، أم أنه سيتولى زمام القيادة؟ الوقت قصير فيما تقترب الحرب المدمرة، بحسب الكاتب.

الجرح في باماكو والألم في دول الجوار

صورة

بهاء الدين يوسف –
أي محاولة للبحث في الآثار المترتبة على التدخل العسكري الفرنسي الحالي في شمال مالي على دول الجوار العربية والإفريقية سوف تستعيد شئنا أم أبينا الكثير من تفاصيل التجربتين المأساويتين في أفغانستان والصومال، حيث تشترك معهما في العديد من العناصر.. حركة إسلامية طامحة تبحث عن دور في إدارة الدولة ، وقوات أجنبية تنتشر في مالي للدفاع عن مصالحها، وأخيرا دول جوار تدعم التدخل الأجنبي لأسباب مختلفة.
قبل التطرق إلى الآثار المترتبة على الدول المجاورة لمالي جراء التدخل الفرنسي الحالي فإنه من المفيد إجراء مسح جيوسياسي لمنطقة شمال إفريقيا وجنوب الصحراء لنتعرف على علاقات الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تسيطر على مناطق مالي الشمالية وبعض دول الجوار وهو ما يصفه لنا تقرير تل فزيون فرانس 24 حيث يقول واصفا تلك العلاقات «ساهمت طبيعة منطقة الساحل الأفريقي، باعتبارها مجالا صحراويا واسعا تغيب فيه سلطة الدول، في استتباب تحكم المجموعات الإسلامية المسلحة فيها، وفرض ما يشبه الهدنة غير المعلنة مع الدول المجاورة مثل الجزائر وموريتانيا ومالي والنيجر، هذه الهدنة قائمة على تغاضي تلك الدول على ما يجري في الساحل مقابل امتناع الجماعات الجهادية عن تنفيذ عملياتها داخل الدول».
ومن المؤكد أن التدخل العسكري الفرنسي سيكون مقدمة لخلخلة هذا التوازن الهش الذي ساهمت الحسابات السياسية لعدد من دول المنطقة وخلافاتها في استمراره مع ما يوفره من استقواء للمجموعات المسلحة.
هذه الخلخلة بدأت فيما عرف بحادث عين أميناس جنوبي الجزائر حين ربط قائد المجموعة الخاطفة وهو مختار بمختار صاحب التاريخ الحافل مع تنظيم القاعدة بين الهجوم الذي شنه على موقع استخراج الغاز واحتجز على إثره عشرات الرهائن الأجانب والجزائريين عقابا للحكومة المحلية على فتح أجواء الجزائر أمام الطائرات الفرنسية لضرب مالي. لكن بقية حلقات الخلخلة لا تزال قيد الدراسة والبحث بمعرفة لجان مخابراتية وأمنية مشتركة بين بعض دول الساحل الإفريقي والدول الأوروبية المعنية مثل فرنسا والبرتغال واسبانيا التي تخشى من امتدادات إرهابية لعمقها الاستراتيجي الجنوبي في شمال إفريقيا.
ومن المفارقات التي تعيد إلى الأذهان مجددا عوامل الارتباط بين ما يحدث في مالي وما حدث سابقا في أفغانستان والصومال أن كل الجماعات المسلحة التي تسيطر على شمال مالي من صناعة الدول العربية والغربية ربما باستثناء الحركة الوطنية لتحرير الأزواد التي انطلقت من دوافع منطقية واضحة، فأنصار الدين وهي الجماعة الأكثر حضورًا في مالي انبثقت عن حركة التغيير التي كان يقودها كل من أياد آغ غالي (وهو دبلوماسي مالي سابق في السعودية من أسرة أزوادية)، وإبراهيم باهانغ (وهو أحد المقربين من الزعيم الليبي السابق معمر القذافي ومات في ظروف غامضة أثناء الثورة الليبية) وهذا التنظيم يملك الأسلحة المتطورة والعتاد الكامل التي حصل عليها بطريقة ما من مخازن الأسلحة في ليبيا.
أما حركة «التوحيد والجهاد» التي يرأسها محمد ولد نويمر فهي حركة مثيرة للجدل السياسي بين أقطار المغرب العربي لأنها نفذت أول عملية اختطاف لرعايا إسبان في الصحراء الغربية بهدف توتير العلاقة بين البوليساريو وإسبانيا والتشكيك في قدرة الجزائر على ضمان أمن الصحراويين، كما أنها اختطفت الدبلوماسيين الجزائريين في مالي العام الماضي، وهي تسعى إلى تضليل الرأي العام بتشكيل سرايا وكتائب شبيهة بالقاعدة في المغرب الإسلامي تطلق على مجموعاتها أسماء مثل: كتيبة أسامة بن لادن، وأبي مصعب الزرقاوي، وهذه الجماعة «التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا» هي التي هددت مؤخرا بشنّ هجمات ضد الدول المجاورة لمالي بدعوى «مشاركتها في التحضير لغزو شمال مالي».
تعليقا على هذا التهديد يقول خالد الشكراوي الأستاذ بمعهد الدراسات الإفريقية بالرباط إن الدول التي وافقت على مساعدة فرنسا في حملتها العسكرية ضد المسلحين في مالي قد تصبح هدفا لهجمات إرهابية محتملة، رابطا بين ما حدث في مالي وفي عين أميناس الجزائرية، محذرا من أن تعيد الحرب الجارية في المنطقة «إنتاج السيناريو الأفغاني والباكستاني» وخاصة بالنسبة للجزائر وموريتانيا بسبب الولاءات التي تدين بها عدة قبائل وجماعات إثنية في هذين البلدين، لعدد من الجماعات الإسلامية المقاتلة في شمال مالي إلى جانب علاقات القربى والمصاهرة التي تجمعها ببعضها البعض.
هذا الربط بين الواقعتين تؤكده دراسة صادرة عن مركز أبحاث الأمن القوميّ الإسرائيليّ، المرتبط بدوائر صنّاع القرار في تل أبيب، التي تقول إنّ هناك علاقة مباشرة بين التدّخل العسكريّ الفرنسيّ في مالي وبين العملية الإرهابيّة التي نفذّها تنظيم القاعدة في الجزائر، من قبل تنظيم يقوده أحد قادة القاعدة الذي كان يحارب في الثمانينيات من القرن الماضي في أفغانستان، مشيرة الى ان المعركة لتحرير مالي من التنظيمات الإسلاميّة المتشددة التي تُسيطر على أجزاء واسعة من مالي ستؤدي إلى سفك كثير من الدماء من الطرفين، كما أنّها لم تستبعد أنْ تنتقل الحرب إلى دول أخرى قريبة من مالي.
التحذيرات من «أفغنة» الصراع في مالي لم تغب عن تصريحات المسؤولين في دول المغرب العربي الذين انغمسوا طوال الأيام الماضية في عقد اجتماعات على أعلى المستويات مع نظرائهم في دول أوروبية لبحث التنسيق الأمني لمواجهة الخطر القادم، وفي هذا السياق يلفت الانتباه تحذير وزير الداخلية المغربي امحند العنصر، في تصريحاته عقب الاجتماع الذي عقده في الرباط مع وزراء داخلية إسبانيا وفرنسا والبرتغال من سيناريو أفغانى بدول جوار مالي قائلا إن «الإرهاب هو الخطر الأكبر الذي يهدد هذه البلدان الأربعة»، وأنها تقتسم ذات التصور فيما يتعلق بالخطورة القصوى للتهديدات القادمة من منطقة الساحل والصحراء، خاصة بعد التدخل في شمال مالي.
وتزامنت تصريحات الوزير المغربي مع إعلان وزارة الداخلية هناك عن تفكيك «خلية إرهابية» تعمل على تجنيد شباب مغاربة للالتحاق بتنظيم القاعدة.
والتأثيرات السلبية للتدخل الفرنسي في مالي لن تقتصر فقط بالطبع على الجوانب السياسية أو الأمنية فقط رغم انها تحتل صدارة الاهتمام في الوقت الحالي، فلا يمكن بحال إغفال التأثيرات الاقتصادية السيئة على دول الجوار خصوصا إذا عرفنا أن جزءا مهما من قدرة الجماعات المتطرفة في الهيمنة على مناطق جنوب الصحراء استنادها إلى اقتصاد يعتمد على تهريب مختلف أنواع البضائع من أسلحة ومخدرات وسجائر من مالي إلى دول الجوار والعكس. وهنا يمكن التوقف امام مؤشرين يحملان درجات متفاوتة من الخطورة أولهما ما نشرته وكالة انباء الأخبار الموريتانية عن ركود الأحوال فيما يعرف بالسوق الأسبوعي حيث اتفق اغلب رواده والتجار الموجودون فيه على التراجع الكبير الذي عرفه مع بقية الأسواق الأسبوعية في منطقة الشرق الموريتاني التي تعتمد بشكل أساسي على بيع وشراء البضائع المهربة من مالي أو من دول أخرى عبر مالي بسبب إغلاق الحدود بين البلدين. ورغم أن الواقعة تبدو محدودة التأثير حتى الآن إلا أن ما يلفت الانتباه فيها المعاناة التي بدأت خلال اقل من أسبوعين من بداية التدخل الفرنسي، وبالتالي نستطيع تخيل ما يمكن ان تؤول إليه الأوضاع في موريتانيا وعدد آخر من دول الجوار إذا استمرت الأوضاع لفترة أطول.
أما المؤشر الثاني فهو تدهور الوضع الإنساني في مناطق شمال مالي منذ بدء العمليات العسكرية الفرنسية بسبب نقص التموين، بحسب لوسيل غروجان من منظمة «تحرك ضد الجوع» غير الحكومية في باماكو والتي رصدت حالات سوء تغذية لحوالي 20 ألف طفل في منطقة غاو الشمالية، مضيفة انه مع انهيار غالبية الشركات وانقطاع الإمدادات ومغادرة التجار الكبار المدينة مع محتويات مخازنهم سيكون الوضع اسوأ بكثير.
ووفقا لهذا التطور فلا يستبعد أن تحدث حركات نزوح جماعي للمدنيين المقيمين في مناطق الشمال إلى دول الجوار الامر الذي يحمل حكومات تلك الدول أعباء مالية إضافية لتوفير سبل الإعاشة لعشرات الآلاف من النازحين.
كذلك لا يمكن إغفال خطر اجتماعي يجري إفراز مسبباته حاليا عبر عمليات التطهير العرقي التي تجري حاليا في مناطق وسط وشمال مالي لمواطنين ينتمون إلى قبائل الطوارق وماليين عرب، حيث أشارت مصادر حقوقية في مالي الى ان ميليشيات يعتقد أنها مقربة من قائد الانقلاب السابق سونوغو نفذت خلال الأيام الأخيرة حملات إعدام بحق مجموعات على أساس عنصري.
وإذا عرفنا أن العادات والتقاليد القبلية تفرض على قبائل جنوب الصحراء التي تعيش في المناطق الحدودية بين الجزائر والمغرب وليبيا وموريتانيا مع مالي وتشاد الثأر من قتلة أبنائها فيمكن أن نتوقع غرق المجتمعات العربية في عقود دموية من الثأر والثأر المضاد تهدد حالة السلم الاجتماعي خصوصا إذا انتقلت حالات المطاردة إلى مدن ومناطق أخرى غير تلك التي تتركز فيها القبائل.
نفس الخطر يتصاعد لسبب آخر هو علاقات المصاهرة بين الكثير من زعماء الحركات الإسلامية المسلحة وشيوخ القبائل حتى يتمكنوا من التغلغل بين أفراد القبيلة، وهذه المصاهرة ستفرض على شيوخ هذه القبائل بالتالي طلب الثأر لكل من يسقط من زعماء الحركات المسلحة في المعارك الدائرة حاليا في مالي.
يذكر أن الوضع في مالي انفجر في الحادي عشر من يناير الماضي بعدما أرسلت فرنسا قوات عسكرية استجابة لمناشدة النظام الحاكم في مالي لمساعدته في التصدي لهجوم الميليشيات العسكرية التابعة للحركات الإسلامية التي تسيطر على شمالي مالي منذ مارس عام 2012 عقب نجاح الانقلاب العسكري على الحكومة المنتخبة هناك، وخلال الشهور التالية للانقلاب نجحت الحركات الإسلامية المتطرفة المسيطرة على الشمال وهي حركات أنصار الدين، وتنظيم التوحيد والجهاد وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في ضم ما يقرب من نصفها إلى حكمهم.
وجاء التحرك الفرنسي مستبقا تحرك القوات العسكرية المشتركة لدول غرب أفريقيا «إيكواس» التي منحها مجلس الأمن الدولي حق التدخل العسكري ضد الجماعات المتمركزة في الشمال والتي يبلغ قوامها 3300 فرد تعرف باسم بعثة الدعم الدولية في مالي بقيادة إفريقية، وهو التحرك الذي كان متوقعا حدوثه في سبتمبر المقبل.

WORDPRESS

التحدي والاستجابة: مستقبل منظمة التعاون الإسلامي في بيئة عالمية قلقة

Image

مجلة السياسة الدولية:

9 فبراير 2013

يأتي انعقاد القمة الإسلامية الثانية عشرة في جمهورية مصر العربية، يومي السادس والسابع من فبراير 2013، في ظل تحولات تاريخية فارقة، يعيشها العالم الإسلامي مع تعدد مناطق التوتر في الدول الإسلامية، وتصاعد العديد من الأزمات، وتفاقم الأوضاع في المنطقة، وغياب الاستقرار، واستمرار الاضطرابات في العديد من الدول الإسلامية. كما تنعقد القمة في ظل تداعيات الثورات والتحولات السياسية التي تشهدها معظم الدول العربية، والتي كان في مقدمة هذه التداعيات غياب أسماء حضرت عدة قمم متتالية في ظل استمرارها في الحكم لسنوات قاربت عمر المنظمة ذاتها، ووصول نظم ذات مرجعية إسلامية، يراهن الكثيرون على أن نجاحها وقدرتها على التعبير عن رغبات وطموحات شعوبها يمكن أن ينعكس إيجابًا على كفاءة وفاعلية مثل هذه المنظمات الإقليمية والدولية التي تنتمي إليها هذه الدول. ويمكن الوقوف على أهمية المنظمة وقمتها، وطبيعة التحديات التي تواجهها، ومدى قدرتها على مواجهة هذه التحديات والحد من تأثيراتها السلبية، من خلال العناصر التالية:

أولا: النشأة والتأسيس:

منظمة التعاون الإسلامي (المؤتمر الإسلامي سابقًا) هي ثالث أكبر منظمة حكومية دولية بعد الأمم المتحدة، ومنظمة عدم الانحياز، حيث تضم في عضويتها سبعًا وخمسين (57) دولة عضوًا موزعة على أربع قارات. وتعتبر المنظمة الصوت الجماعي للعالم الإسلامي، وتسعى إلى صون مصالحه، والتعبير عنها، تعزيزًا للسلم والأمن الدوليين بين مختلف شعوب العالم.

وأنشئت المنظمة بقرار صادر عن قمة الرباط بالمملكة المغربية (25 سبتمبر 1969) ردًّا على جريمة إحراق المسجد الأقصى في القدس المحتلة. ثم عقد أول مؤتمر إسلامي لوزراء الخارجية في مدينة جدة السعودية عام 1970، وقرر إنشاء أمانة عامة يكون مقرها جدة ويرأسها أمين عام للمنظمة، تعاقب عليها تسعة أمناء آخرهم أكمل الدين إحسان أوغلو، قبل أن يتم تعيين السيد إياد مدني في القمة الثانية عشرة (2013) ليكون الأمين العام العاشر للمنظمة.

وقد اعتمد الميثاق الحالي للمنظمة في القمة الإسلامية الحادية عشرة التي عقدت في دكار (13 و14 مارس 2008). وقد حدد الميثاق الجديد أهداف المنظمة ومبادئها وغاياتها الأساسية المتمثلة في تعزيز التضامن والتعاون فيما بين الدول الأعضاء. وبين عامي 1969 و2013 ارتفع عدد الأعضاء من خمس وعشرين دولة – الأعضاء المؤسسون (أفغانستان، الجزائر، تشاد، مصر، غينيا، تركيا، إندونيسيا، إيران، الأردن، الكويت، لبنان، ليبيا، ماليزيا، مالي، موريتانيا، النيجر، باكستان، فلسطين، السعودية، المغرب، السنغال، السودان، تونس، اليمن، الصومال)- ليبلغ سبعًا وخمسين دولة عضوا. بجانب (5) دول مراقبين (روسيا، إفريقيا الوسطي، تايلاند، البوسنة والهرسك، جمهورية شمال قبرص).

ووفقًا لميثاقها تسعى المنظمة إلى تحقيق عدد من الأهداف: تعزيز ودعم أواصر الأخوة والتضامن بين الدول الأعضاء؛ وصون وحماية المصالح المشتركة، ومناصرة القضايا العادلة للدول الأعضاء، وتنسيق جهود الدول الأعضاء وتوحيدها بغية التصدي للتحديات التي تواجه العالم الإسلامي خاصة والمجتمع الدولي عامة، واحترام حق تقرير المصير، وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأعضاء، واحترام سيادة الدول الأعضاء واستقلال ووحدة أراضي كل دولة عضو، وضمان المشاركة الفاعلة للدول الأعضاء في عمليات اتخاذ القرار على المستوى العالمي في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لضمان مصالحها المشتركة، وتأكيد دعمها لحقوق الشعوب المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين الدول الإسلامية من أجل تحقيق التكامل الاقتصادي فيما بينها، بما يُفضي إلى إنشاء سوق إسلامية مشتركة، وبذل الجهود لتحقيق التنمية البشرية المستدامة والشاملة والرفاه الاقتصادي في الدول الأعضاء، وحماية صورة الإسلام الحقيقية والدفاع عنها والتصدي لتشويه صورة الإسلام، وتشجيع الحوار بين الحضارات والأديان، والرقي بالعلوم والتكنولوجيا وتطويرها وتشجيع البحوث والتعاون بين الدول الأعضاء في هذه المجالات.

وفي إطار هذه الأهداف أكد الميثاقُ على عددٍ من المبادئ أو الضوابط الحاكمة للدول الأعضاء منها: تلتزم جميع الدول الأعضاء بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة ومقاصده، والدول الأعضاء دول ذات سيادة وتتساوى في الحقوق والواجبات، وتقوم جميع الدول الأعضاء بحل نزاعاتها بالطرق السلمية، وتمتنع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في علاقاتها، وتتعهد جميع الدول الأعضاء باحترام السيادة الوطنية والاستقلال ووحدة الأراضي لكل منها، وعدم التدخل في الشئون الداخلية للآخرين، وتعزز الدول الأعضاء وتساند على الصعيدين الوطني والدولي الحكم الرشيد والديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الأساسية وسيادة القانون.

ثانيًا: تحديات القمة الثانية عشرة:

يأتي انعقاد القمة في ظل عدد من المتغيرات التي تشكل تحديًا كبيرًا للمنظمة، ومدى قدرتها على الوفاء بتطلعات الدول الأعضاء وشعوبها، ومن ذلك:

– العدوان الصهيوني على غزة، واستمرار المخططات الصهيونية لتهويد القدس، ودخول مخطط هدم الأقصى مرحلته الأخيرة، واستمرار سرطان المستوطنات في التهام الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية.

– غياب سوريا التي تم تعليق عضويتها في قمة مكة الطارئة 2012، في ظل استمرار المعاناة التي يتعرض لها الشعب السوري بسبب الممارسات الوحشية التي يقوم بها النظام الحالي في سوريا.

– التدخل العسكري الخارجي في مالي، والذي تقوده فرنسا ويشارك فيه عدد من الدول الإفريقية والغربية، للقضاء على القوى الانفصالية في شمال مالي وبعض الحركات والتيارات التي تم وصمها بالإرهاب. خاصة وأن الأزمة وتطوراتها يمكن أن تفرز العديد من التداعيات الخطيرة ليس فقط على دولة مالي، ولكن على معظم دول الشمال والغرب الإفريقي. ويزيد من تعقيد هذه الأزمة وجود حالة من عدم التوافق بين الدول الإسلامية وبعضها بعضًا حيال الموقف من التدخل، وهو ما برز واضحًا في كلمة الرئيس السنغالي “ماكاي سال”، في كلمته الافتتاحية في المؤتمر كرئيس للدورة الماضية، حيث قدم الشكر لفرنسا على تدخلها العسكري في مالي، قائلا: “إنه يجب على كل الدول الإسلامية مساندة مالي في التحرر، ولقد أرسلت السنغال قوات مشاركة للقوات الفرنسية في العملية العسكرية بمالي”. هذا في الوقت الذي أكد فيه الرئيس المصري أكثر من مرة معارضة مصر للتدخل العسكري الفرنسي في مالي.

– تصاعد ظاهرة الإسلاموفوبيا في العالم والهجمات الفكرية والإعلامية الشرسة على الإسلام والمسلمين سواء في شكل اتهامات بالإرهاب أو في شكل أفلام ورسوم مسيئة للنبي الأكرم عليه الصلاة والسلام.

– تعدد الأزمات السياسية وعدم الاستقرار الذي تشهده العديد من الدول الإسلامية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب الملتهبة في العديد من مناطق العالم الإسلامي، سواء في الصومال أو السودان أو أفغانستان.

ثالثًا: حصاد القمة:

مع انتهاء فعاليات القمة، وكالمعتاد في كل القمم صدر عنها بيان ختامي تضمن التأكيد على عدد من المواقف، والإشارة إلى عددٍ من القرارات والتوجهات المستقبلية للمنظمة في تعاطيها مع الملفات الرئيسية التي تشكل ركائز حركتها، وقد تضمن البيان:

1- الدعوة إلى توحيد قوى المعارضة السورية، ودعوة مجلس الأمن الدولي لتحمل مسئولياته تجاه الأزمة السورية. مع الإشادة بمؤتمر المانحين الذي انعقد في دولة الكويت، والإشادة بجهود الدول المجاورة لسوريا في استضافتها للاجئين.

2- الدعوة إلى عقد مؤتمر للمانحين خاص بمدينة القدس الشريف تشارك فيه الدول والصناديق لتمويل القطاعات الأكثر إلحاحًا في المدينة في إطار الخطة الاستراتيجية لتنمية القطاعات الحيوية في مدينة القدس.

3- تشكيل شبكة أمان مالية إسلامية لمساعدة فلسطين في مواجهة احتجاز إسرائيل للعائدات المالية الفلسطينية عقب حصول فلسطين على وضع دولة مراقب غير عضو بالأمم المتحدة، ودعوة دول إسلامية من خارج المنطقة العربية لعقد مؤتمر من أجل خدمة هذا الغرض لتوسيع نطاق الدعم، في سياق دعم فلسطين بوتيرة شهرية حتى انتهاء هذه المحنة.

4- التأكيد على خطورة الخطة الاستيطانية الإسرائيلية التي تكمن في فصل شمال الضفة عن جنوبها، وعزل مدينة القدس تمامًا عن محيطها، وبالتالي إنهاء أية فرصة لحل الدولتين. واتفقت الدول الأعضاء على دعم التقرير الذي صدر في مارس 2012 عن مجلس حقوق الإنسان الدولي بدعم من المجموعة الإسلامية، والذي يدعو إلى تشكيل لجنة تحقيق حول الاستيطان الإسرائيلي، على أن يعمل القادة على حشد جهود المجموعة الإسلامية لاستثمار هذا التقرير من أجل إصدار قرار واضح من المجلس ضد إسرائيل، ونقل ذلك إلى مجلس الأمن الدولي.

5- إعلان التضامن مع وحدة أراضي مالي، ودعم الحكومة الوطنية الانتقالية، ودعم جهودها لاستعادة أراضيها، وتأييد المبادرات المطروحة من الاتحاد الإفريقي والجهود المبذولة لنشر البعثة العسكرية الدولية بقيادة إفريقية في مالي. وحثت الدول الإسلامية السلطات المالية على وضع خارطة طريق لتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية في إطار نهج شامل لمعالجة الأزمة.

6- إجراء تقييم لجميع المشاريع الاقتصادية البيئية في مجالات التجارة ومكافحة الفقر والزراعة والأمن الغذائي، وتقوية القدرات، وإيجاد وظائف للشباب والسياحة والنقل والقطاع الخاص، وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة. وتقييم النجاح المتحقق في أنشطة اقتصادية لمختلف المؤسسات التابعة للمنظمة بما في ذلك الكوميسك والبنك الإسلامي للتنمية ومركز تنمية التجارة في الدار البيضاء، ومعهد الدراسات “سيسرك” في أنقرة والغرفة التجارية الإسلامية.

7- العمل على تفعيل آلية نظام الأفضليات التجارية للمنظمة من خلال إكمال جميع الإجراءات المتعلقة بذلك، وتشجيع الزيادة المضطردة للتجارة البينية الإسلامية من 14% تقريبًا من إجمالي التجارة الخارجية لهذه الدول عام 2004 إلى نحو 17% عام 2011 بهدف الوصول إلى نسبة 20% في عام 2015.

8- اعتماد قرار زيادة رأس مال البنك الإسلامي للتنمية لمواصلة إسهاماته في التنمية الاجتماعية والاقتصادية لدول المنظمة (تقدر إسهاماته منذ إنشائه عام 1975 وحتى اليوم بـ 8،5 مليارات دولار). وكذلك اعتماد قرار زيادة رأس مال وقفية صندوق التضامن الإسلامي الذي يعمل في مجال تمويل المشاريع الصغيرة والزراعية والأمن الغذائي والتدريب المهني والتنمية الاجتماعية.

رابعًا: التحدي والقدرة:

في مواجهة التحولات التي يشهدها العالم الإسلامي، دولا وأقليات، تبقى قدرة منظمة التعاون الإسلامي على مواجهة التحديات الناجمة عن هذه التحولات رهنًا بعدد من الاعتبارات الأساسية:

1- القدرة على تنسيق الخطط والسياسات بين الدول الأعضاء على الأقل في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والفنية والتكنولوجية، في ظل إدراكنا الكامل صعوبة -إن لم يكن استحالة- التنسيق في الجوانب السياسية.

2- إدراك النظم السياسية في الدول الإسلامية لما تملكه الشعوب من قدرات، وما تسعى إليه من طموحات، وأن تكون هذه النظم على قدر المسئولية في تعزيز هذه القدرات والوفاء بتلك الطموحات، وليس فقط البقاء في الكرسي لمجرد البقاء، وهو ما يتطلب العودة للشعوب للحصول منها على شرعية الاستمرار في السلطة، وعلى دعامات وركائز الاستقرار السياسي والاقتصادي.

3- قدرة النظم السياسية في الدول الإسلامية على الخروج من دائرة التبعية السياسية والاقتصادية والفكرية لعددٍ من القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا، وغيرها، هذه الدائرة التي رسخت الكثير من أسس الفساد وعدم الاستقرار، وخلقت فجوة كبيرة بين النظم وشعوبها، وعاقت في كثير من الحالات كثيرًا من جهود التكامل والتعاون في إطار منظمة التعاون الإسلامي، حتى أصبحت أقرب للكيان الاحتفالي الديكوري، يلتقي فيه الحكام كنوع من أداء الواجب في مواجهة الشعوب، وإلقاء الخطب الرنانة والشعارات الجوفاء دون إنجاز ملموس على الأرض، لا يتفق وما تتمتع به دول المنظمة من قدرات استراتيجية واقتصادية وتقنية وبشرية وروحية.

الانتخابات المحلية التشادية وتفعيل نظام الحكم اللامركزي .. قراءة في الأبعاد الإشكالية

بقلم/ سعيد طه

أعلنت اللجنة الانتخابية الوطنية المستقلة في الآونة الأخيرة عن تنظيم انتخابات بلدية بتاريخ 16 أكتوبر من العام الحالي وذلك بعد فترة انتظار استمرت لسنوات حيث تم تأجيل هذه الانتخابات لأكثر من مرة نتيجة للظروف السياسية التي مرت بها البلاد خلال هذه الفترة. وستنظم هذه الانتخابات في مختلف المدن إضافة إلى الدوائر المختلفة في العاصمة أنجمينا وذلك بهدف الحد من مركزية الدولة وإعطاء فرصة للمجتمع المحلي في المشاركة في عملية اتخاذ القرار. وتأتي هذه الخطوة في إطار سياسة تفعيل نظام الحكم اللامركزي الذي تبنته تشاد منذ عام 1996 بهدف نقل الحكم في البلاد إلى مناطق لا تخضع للسلطة المركزية وتكون إدارتها الذاتية مضمونة كما ورد في الدستور التشادي. 

وفي هذا السياق يدور التساؤل حول أهمية هذه الانتخابات ومدى مساهمتها في تفعيل نظام الحكم اللامركزي وتفعيل المشاركة المحلية ومنح مزيد من السلطات اللامركزية للمحافظات والمدن التشادية المختلفة. سيحاول هذا المقال تسليط الضوء على أبرز الأبعاد الإشكالية المتعلقة بهذه الانتخابات في إطار تفعيل نظام الحكم اللامركزي الذي ظل لفترة طويلة دون أن يُفعل بالشكل المطلوب. 

بدايةً تجدر الإشـارة إلى أنه تعتبر الانتخابات المحلية – على غرار الانتخابات الرئاسية والبرلمانية – ذات طابع سياسي حيث تشتمل على نفس الجوانب التنظيمية المتمثلة في برامج انتخابية تتناول قضايا تهم الناخبين ومرشحين يسعون للمنافسة وناخبين يقومون باختيار من يمثلهم ويعبر عن مصالحهم. كما ترتبط الانتخابات المحلية ارتباطاً وثيقاً بنظام “الحكم اللامركزي” حيث تعتبر المدخل الأساسي لإحداث عملية الإصلاح والتغيير وتطبيق اللامركزية في عمل الهيئات المحلية. وتتمثل أهمية الانتخابات المحلية في أنها تعد أحد أهم الوسائل التي يمكن من خلالها تفعيل نظام الحكم اللامركزي حيث تفسح المجال أمام المواطنين للمشاركة في عملية صنع القرار السياسي عبر المشاركة المحلية والتعبير عن القضايا التي تهمهم. 

ويُقصد بنظام “الحكم اللامركزي” نمط توزيع سلطة القرار السياسي عبر تقليص السلطات المركزية للدولة ومنح السلطات والهيئات المحلية صلاحيات اتخاذ القرار على المستوى المحلي. فعلى سبيل المثال إذا كانت سلطة صنع القرار السياسي بيد الحكومة المركزية ومقتصرة عليها دون وجود دور للمستويات الأدنى في عملية صنع القرار فنحن أمام مركزية سياسية. أما إذا قلصت الحكومة المركزية جزءاً من صلاحياتها عبر منح المستويات الأدنى بعض الصلاحيات – كالمجالس المحلية مثلا – فنحن أمام نظام لامركزي. وبالتالي لا يمكن الحديث عن الديمقراطية بأشكالها المختلفة دون الحديث عن نظام “الحكم اللامركزي” الذي يعد أهم النظم التي يمكن من خلالها تمكين المواطنين من المشاركة الفعالة في إدارة الشئون المحلية للمجتمعات التي يعيشون فيها. 

ومن حيث السياق التاريخي فقد مرت عملية تطبيق نظام “الحكم اللامركزي” في تشاد بمرحلتين. فقد بدأت المرحلة الأولى في منتصف فترة التسعينيات من القرن الماضي وشهدت وضع الأسس القانونية والإدارية لنظام “الحكم اللامركزي” حيث تبنى الدستور التشادي نظام اللامركزية من خلال تأكيده على أهمية ودور الحكومات المحلية في تقديم الخدمات الضرورية للمواطنين. كما بدأت الحكومة المركزية خلال هذه المرحلة بإعادة هيكلة التقسيم الإداري للمحافظات الموروث من الاستعمار الفرنسي حيث تم وضع تقسيم جديد تضمن أقاليم ومناطق جديدة. وبدأت المرحلة الثانية منذ عام 2005 واستمرت إلى الوقت الحالي حيث شهدت هذه المرحلة اضطرابات سياسية أدت إلى انشغال الدولة بقضايا داخلية متعلقة بالاستقرار السياسي وقضايا إقليمية متعلقة بدول الجوار الإقليمي. وعلى هذا الأساس لم تجر الانتخابات المحلية حيث تم تأجيلها إلى عام 2011 ليتم إجرائها بعد الانتهاء من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. 

وعند الحديث عن الانتخابات المحلية المقبلة ودورها في تفعيل “نظام الحكم اللامركزي” فإن أول إشكالية يجب التنبيه إليها – إذا ما أردنا أن نضع الأمور في نصابها الصحيح – تتمثل في من سيتم انتخابهم وطبيعة البرامج الانتخابية التي سيقدمونها للجمهور. وفي هذا الإطار تكمن الإشكالية المتعلقة بمن سيتم انتخابهم في مدى قدرتهم ورغبتهم في خدمة مصالح الجمهور دون السعي إلى خدمة مصالحهم الشخصية أو والمصالح الفئوية. كما تكمن الإشكالية الحقيقية في طبيعة البرامج الانتخابية لهؤلاء المرشحين سواء كانت برامج تخاطب قضايا تمس واقع المواطنين في المجتمعات المحلية أو برامج فضفاضة وشكلية تعودنا أن نراها كثيراً في الانتخابات السابقة من قبيل المكاتب المزينة التي يكون عنوان البرنامج الانتخابي فيها وبامتياز الرقص والموسيقى الصاخبة طوال فترة الدعاية الانتخابية … !! 

وفي المقابل تكمن الإشكالية الثانية في طبيعة السلطات التي ستمنح للمجالس المحلية التي سيتم انتخابها وطبيعة الخدمات التي ستقدمها للمواطنين. وهذا يعني أنه لكي تكون هذه المجالس قادرة على خدمة المواطنين فإنه يجب منحها صلاحيات تخولها ممارسة أعمالها دون تدخل أو قيود حيث أن طبيعة وحجم السلطات الممنوحة للمجتمعات المحلية تعد عاملاً جوهرياً للتطبيق الفعال لنظام “الحكم اللامركزي”. كما تكمن الإشكالية الأخرى في قدرة هذه المجالس في تحقيق التنمية المحلية عبر تقديم الخدمات الضرورية للمواطنين ومدى قدرتها على التعامل مع قضايا باتت تشكل تحدياً حقيقياً لمجتمعاتنا مثل غلاء المعيشة وأزمة الكهرباء والمياه … الخ. 

كما أنه تبقى محاسبة المسئولين المنتخبين أمام السلطات المركزية وتجاه المجتمعات التي يمثلونها تحدياً حقيقياً تجاه تفعيل نظام “الحكم اللامركزي”. وهذا يعني أنه إذا ما أردنا لهذه الانتخابات أن تسهم في تفعيل نظام “الحكم اللامركزي” بحيث يكون نظاماً ناجحاً بكل المقاييس، يجب أن تكون هناك رقابة تجاه من سيتم انتخابهم من أجل حماية مصالح الشعب والالتزام بالسياسية التنموية للدولة والالتزام بالميزانية التي أقرتها الدولة للمحليات حفاظاً على الأموال العامة من الإهدار. ويرتبط هذا الأمر بوجود وحضور مؤسسات المجتمع المدني على الساحة السياسية من أجل مراقبة عمل الهيئات المحلية وضمان استمرار المراجعة الدورية لعملها من أجل محاربة الفساد وتعميق المساءلة والمحاسبة. 

وبالتالي فإننا نتطلع إلى أن تسهم هذه الانتخابات في تفعيل نظام “الحكم اللامركزي” في تشاد عبر سد الاحتياجات المحلية والقضاء على البيروقراطية وإعطاء فرصة أكبر للهيئات المحلية لحل مشاكلها وتعميق الإحساس لدى السكان المحليين بدورهم في عملية التنمية. وتكمن المحصلة النهائية للتطبيق السليم لنظام “الحكم اللامركزي” في الاستقرار السياسي والاجتماعي وتعميق الديمقراطية وتعزيز آلية الحكم الرشيد وتحقيق رفاه الإنسان وتوسيع قدرات المواطنين وحرياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقضاء على الرشوة والفساد … ! 

وحتى لا يتكرر مسلسل ما حدث مؤخراً في بلدية أنجمينا من اختفاء الأموال العامة … نتطلع إلى أن تقوم المجالس البلدية بالدور المناط بها على الوجه الأكمل بكل شفافية وحياد وأن تسهم جنبا إلى جنب مع الأجهزة التنفيذية والتشريعية في العمل على أن تكون صوت المواطن المشارك في صنع القرار ونهضة المشاريع التنموية والحيوية والبنى التحتية داخل المدن وإدارة الشؤون المحلية والخدمات البلدية.