منطقة الساحل الأفريقي في إطار التوازنات والصراعات الدولية: التنافس الفرنسي- الأمريكي نموذجاً

ملخص الدراسة:

لطالما كانت منطقة الساحل الإفريقي تعد واحدة من المناطق المهمّشة، استراتيجياً، واقتصادياً وسياسياً طيلة حقبة الحرب الباردة، إلا أنّ التطورات التي شهدتها المنطقة خلال العقد الأخير جعلتها تكتسب قيمة إستراتيجية دولية، وأعطتها مكانة هامة في التوازنات والصراعات الدولية التي تشهدها القارة الأفريقية. وبذلك أصبحت المنطقة تحظى بأهمية كبرى ضمن أولويات واهتمامات القوى الدولية التقليدية في المنطقة مثل فرنسا، والقوى الكبرى خاصة الولايات المتحدة الأمريكية والصين.

إنّ موضوع هذه الدراسة، وهو التنافس الذي تشهده منطقة الساحل الأفریقي، یمثّل محاولة لمعرفة موقع هذه المنطقة في إطار التنافس الغربي، وبالتحديد التنافس الفرنسي- الأمریكي على المنطقة، حيث تم اكتشاف مؤشرات نفطية هامة إذ تصدر تشاد ما يقارب 200 ألف برميل يومياً، في حين أعطت عمليات الحفر في صحراء مالي نتائج مشجعة، كما أنّ النيجر تتميز بكونها مصدر رئيسي لمعادن اليورانيوم، وهو ما قد يجعل المنطقة – حسب التقارير الإستراتيجية الأمريكية – تتحول في المدى القريب إلى منافس جديد للدول النفطية الخليجية. ومن جهة أخرى، شهدت منطقة الساحل الأفريقي تطورات أمنية وسياسية وأزمات داخلية تجسّدت في تفشي ظواهر خطيرة كالجريمة المنظمة، وانتشار الجماعات الإرهابية، والعجز الوظيفي والفشل البنيوي لدول المنطقة، مما يشكل تهديداً ليس فقط على أمن المنطقة وإنما من الممكن أن يصبح بمثابة تهديد فعلي للأمن الدولي.

انطلاقاً من الإطار النظري لأدبيات “الصراع” في العلاقات الدولية، تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على منطقة الساحل الأفريقي في ضوء التوازنات والصراعات الدولية التي باتت تشهدها القارة الأفريقية خلال السنوات الأخيرة، وتسعى الدراسة إلى البحث في آليات التنافس بين القوى الدولية الفرنسية والأمريكية، وتحديد منطلقات دوافع اهتمام كل منهما بمنطقة الساحل الأفريقي. وعليه تسعى الدراسة إلى الإجابة عن التساؤلات التالية:

ما أهمية منطقة الساحل الأفريقي في ظلّ ما يحدث من توازنات وصراعات دولية على القارة الأفريقية؟ وما هي دوافع وآليات التنافس بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية على المنطقة؟ وما هي انعكاسات هذا التنافس على دول الساحل الأفريقي، وبشكل خاص على تشاد؟

المبحث الأول: منطقة الساحل الأفريقي: مقاربة جيو – سياسية

المطلب الأول: الأهمية الإستراتيجية لمنطقة الساحل الأفريقي

أولا: الأوضاع في منطقة الساحل الأفريقي

يقصد بكلمة الساحل “الشاطئ” أو المنطقة المحاذیة للشاطئ. أما بالنسبة لمصطلح “الساحل الأفریقي” فيقصد به في هذه الدراسة المنطقة المحاذیة للصحراء الأفریقیة، حیث تقع بین شمال أفریقیا (المغرب العربي)، وأفریقیا جنوب الصحراء والمعروفة بأفریقیا السوداء. (بوبصلة، 2012)

ومصطلح الساحل الإفريقي هي تسمية قديمة جدا أطلقها الفاتحون المسلمون على المنطقة الجغرافية التي تمتد من الحافة الجنوبية للصحراء الكبرى إلى منطقة الغابات الإفريقية. (مبروك، 2015)

وتتميز منطقة الساحل الأفریقي بمجموعة من الممیزات التي جعلتھا تحتل مكانة جيوسياسية هامة في مشهد السياسة الدولية، حيث أصبحت المنطقة ساحة للتنافس الدولي – خلال السنوات الأخيرة – بين القوى الكبرى. ومن هنا، سنحاول أن نسلّط الضوء على موقع هذه المنطقة ضمن الخريطة الجيوبولوتيكية للقارة الأفريقية من خلال تسليط الضوء على الأوضاع في المنطقة.

  • العامل الجغرافي

إنّ كبر مساحة الساحل الأفریقي جعلت عملیة تحدیده وتعریفه تختلف باختلاف نوعیة واھتمام الدارسین للمنطقة، فھناك من یعرفھا تعریفا جغرافیا، وھناك من یعطیھا تعریفا سیاسیاً. وسنسلط الضوء هنا على البعد الجغرافي للمنطقة.

تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من المساحة الكبيرة لمنطقة الساحل الأفريقي، وتنوع المعايير والمنطلقات لدى الباحثين في تحديد الفضاء الجغرافي لهذه المنطقة، والدول المكونة لها، إلا أنّ هناك شبه إجماع على أنّ الفضاء الجغرافي للساحل الأفریقي يشمل من الناحیة الجغرافیة المنطقة الفاصلة بین شمال أفریقیا، وأفریقیا جنوب الصحراء. فھي تمتد من البحر الأحمر شرقاً إلى المحیط الأطلسي غرباً، شاملة السودان، تشاد، والنیجر وموریتانیا والسنغال. وھناك تحدید أخر لإقلیم الساحل وھو الإقلیم الذي یغطي القوس الممتد من السودان إلى موریتانیا، ویطلق بدقة على بلدان ثلاثة محوریة ھي مالي والنیجر وتشاد. ویتعلق الأمر ببلدان شاسعة جغرافیا، ومحدودة السكان، وذات بعد صحراوي فسیح، لا تطل غالبية دولها على منفذ بحري. (بوبصلة، 2012) وبالتالي فالمنطقة عبارة عن شريط طويل يضم دولاً عديدة وتبلغ مساحتها ما يقارب تسعة ملايين كيلومتر مربع. (قشي، 2015)

وتعرف منطقة الساحل الأفريقي بخصائص جغرافية، تتمثل في أربعة عناصر هي؛ المجاعة، الجفاف، التصحر، ارتفاع درجات الحرارة. وهذه العناصر لها تداعياتها وانعكاساتها المباشرة على الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإنسانية التي تواجهها المنطقة. (قشي، 2015)

  • العامل الديمغرافي

تتميز منطقة الساحل الأفريقي بتنوع إثني وعرقي ألقى بظلاله على البناء الاجتماعي، حيث تمتاز المنطقة بتداخل وتلاقي عدة أعراق تمثل كل منها أنماطا وعادات مختلفة. فعلى سبيل المثال نجد في النيجر قبائل الهوسا والزرما، والطوارق، والعرب، وفي مالي قبائل البامبارا والسونغاي والبولس، والكانوري، والطوارق والعرب. (قشي، 2015)

وفي تشاد توجد ثلاث مناطق جغرافیة مناخیة، تتمیز بالتوزیع غیر العادل من حیث الكثافة السكانیة حيث تعتبر تشاد دولة ذات كثافة سكانية قليلة مقارنة مع الدول المجاورة لها، وذلك بسبب النمو السكاني البطيء. فقد وصل إجمالي عدد السكان في عام 1957 مليونان ونصف؛ إلا أنّ هذه الكثافة السكانية وصلت في عام 1988 إلى خمس ملايين ونصف. ويُقدّر متوسط الكثافة السكانية على امتداد تشاد بحوالي 4.9 فرد في الكيلو متر الواحد، وتتميز مناطق الشمال بكثافة سكانية أقل بسبب الطبيعة الصحراوية، حيث يقطن حوالي 0.1 فرد في الكيلومتر المربع، بينما تتميز مناطق الجنوب بكثافة سكانية عالية حيث يقطن حوالي 52.4 فرد في الكيلو متر الواحد. (أيوب، 2008)

إنّ التركيبة الاجتماعية والديمغرافية المتنوعة لدول الساحل الأفريقي جعلت من مستوى التجانس الاجتماعي ضعيفاً، خاصة مع غياب الثقافة الوطنية الموحدة، التي نتج عنها أزمات عدة مثل أزمة الطوارق في النيجر ومالي، والاضطرابات العرقية في موريتانيا، والحروب الأهلية في دارفور، والصراعات القبلية والإثنية في تشاد.

  • العامل الاقتصادي

تعتبر منطقة الساحل الأفريقي من أفقر مناطق العالم. ومما يميزه الواقع الاقتصادي لمنطقة الساحل هو هشاشة وتدهور اقتصاديات دوله بحيث أنّ معظم دول الساحل الإفريقي تصنف حالياً ضمن فئة البلدان الأقل نمواً.

وبحسب إحصائيات ندوة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية لعام 2009، فإنّ الناتج المحلي الإجمالي لتشاد قدّر بحوالي 8.914 مليون دولار أمريكي، والسودان بحوالي 68.530 مليون دولار أمريكي، ومالي بحوالي مليون دولار أمريكي، والنيجر بحوالي 4.905 مليون دولار أمريكي، وموريتانيا بحوالي 3.201 مليون دولار أمريكي، والسنغال بحوالي 13.333 مليون دولار أمريكي، وبوركينافاسو بحوالي 8.431 مليون دولار أمريكي. أما نيجيريا لأنها تعد أكبر دولة منتجة للنفط في إفريقيا، فإنتاجها المحلي مرتفع حيث يقدّر ب 222.867 مليون دولار أمريكي. (بوبصلة، 2012)

هذا بالإضافة إلى الديون الخارجية الكبيرة التي تعاني منها هذه الدول. فبحسب إحصائيات 2009 التي قدمتها المؤسسات الأفريقية الثلاث: مجموعة البنك الإفريقي للتنمية، والإتحاد الإفريقي، واللجنة الاقتصادية لإفريقيا، فقد قدر حجم الديون الخارجية لبوركينافاسو بحوالي 1751 مليون دولار أمريكي، وتشاد بحوالي 2134 مليون دولار أمريكي، ومالي بحوالي 1863 مليون دولار أمريكي، والسودان 34360 مليون دولار أمريكي. (رسولي، 2011)

وعلى الرغم من هذه الأوضاع الاقتصادية، فإنّ منطقة الساحل أصبحت منطقة ذات أهمية اقتصادية، كونها تزخر بالثروات المعدنية مثل الذهب، اليورانيوم، الفوسفات، وباتت الثروة النفطية عامل جذب كبير لدول العالم إذ تصدر تشاد النفط منذ عام 2003 بما يقارب 200 ألف برميل يومياً. كما أصبحت مالي ثالث منتج أفريقي للذهب بعد جنوب أفريقيا وغانا، وتتميز النيجر بكونها ثالث دولة مصدرة لليورانيوم في العالم بعد استراليا وكندا. وتعتبر نيجيريا أكبر دولة مصدرة للنفط بحجم إنتاج يومي يصل إلى 27 مليون برميل واحتياطي يبلغ 36 مليار برميل. (قشور، 2015)

ثانيا: التهديدات والمخاطر الكامنة في الساحل الأفريقي

یرى المتتبعون للشأن الأفریقي أنّ منطقة الساحل والصحراء الأفریقیة شھدت منذ نھایة الحرب الباردة صعود عدد من التھديدات الجدیدة التي من شأنھا الإضرار بمصالح الأفراد والجماعات والحكومات، وتأتي ھذه التحدیات الجدیدة على المنطقة في خضم التحولات السیاسیة والاقتصادية التي شھدھا العالم. (بوبصلة، 2012)

وتعد منطقة الساحل الأفريقي من بين أكثر المناطق في العالم التي تشهد حالة غير مسبوقة من التطورات الأمنية، نتيجة لمجموعة من العوامل يمكن حصرها في ثلاث أبعاد وهي؛ البعد الأول ويتمثل في الوجود الإرهابي في المنطقة الذي جعل من منطقة الساحل ملاذاً آمناً وقاعدة لعملياته. البعد الثاني: ويتمثل في انتشار ظاهرة الجريمة المنظمة، وتجارة البشر والمخدرات، والهجرة غير الشرعية، وهيمنة ظاهرة تجارة الأسلحة. ويتمثل البعد الأخير في الفشل البنيوي والوظيفي للدولة في المنطقة.

البعد الأول: التهديدات الإرهابية

على الرغم من عوامل الضعف التي تتسم بها دول الساحل الإفريقي “جنوب الصحراء”، والتي جعلت غالبيتها تصنف ضمن الدول الفاشلة؛ جاءت التأثيرات الأمنية التي عكستها تطورات دول الشمال الإفريقي خلال العقدين الأخيرين لتضاعف حجم التهديدات الأمنية والإنسانية التي تعيشها هذه الدول. وبحسب ما أشارة إليه الباحثة أميرة عبد الحليم فإنّ هذه التهديدات دفعت المنطقة لتصبح جزءًا من “قوس الأزمات” الذي كان يمتد في السابق من أفغانستان مرورًا بإيران والجزيرة العربية حتى القرن الإفريقي. (عبد الحليم، 2013)

لقد تحول الساحل الأفريقي إلى فناءٍ خلفيٍّ للجماعات الإرهابية في الشمال الإفريقي، خاصةً تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الذي تعود أصوله إلى الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية، والذي انتشر في الصحراء الكبرى منذ صيف 2003، وبدأ في استهداف دول الساحل والصحراء منذ هذا التاريخ؛ حيث كان لموريتانيا والنيجر النصيب الأكبر من هجمات التنظيم. (عبد الحليم، 2013) إضافة إلى الدور المتزايد لجماعة بوكو حرام في تهديد دول المنطقة مثل نيجيريا، والكمرون، ومؤخراً اتهم التنظيم من قبل السلطات التشادية بضلوعه في التفجيرين الانتحاريين اللذان شهدتهما العاصمة أنجمينا في شهر يونيو الماضي.

وفي هذا السياق يشير الباحث عصام عبد الشافي إلى أنه أصبحت المساحات الواسعة لمنطقة الصحراء الكبرى وساحل غربي إفريقيا، المناطق المفضلة لنشاط تنظيم “القاعدة”، الأمر الذي دفع عناصر التنظيم إلى  اللجوء إلى منطقة الساحل الإفريقي، حيث تفتقر هذه المنطقة الشاسعة للمشاريع التنموية، إضافة إلى أنها تعيش في ظل فراغ أمني، حيث لا يوجد في تلك الأقاليم، ما يستدعي حضور أي حكومة.

البعد الثاني: انتشار الجريمة وتجارة السلاح

أصبحت الجريمة المنظمة التي تقودها شبكات التهريب مصدر خطر حقيقي على دول المنطقة، خاصة وأنّ هذه الشبكات أصبحت تمتاز ببنية مؤسسية كبيرة ذات ارتباط بأطراف خارجية فاعلة. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أنّ نحو 30 إلى 40%  من المخدرات تمر عبر هذه المنطقة، ونحو 27% من المخدرات التي تمت مصادرتها في أوربا كان مصدرها منطقة الساحل والصحراء بقيمة إجمالية قدرها 8,1 مليار دولار أمريكي. إضافة إلى ذلك فإنّ تنامي الجريمة المنظمة يشكل مصدراً من مصادر عدم الاستقرار خاصة على المناطق الحدودية بين دول المنطقة. (عبد الشافي، 2014)

وتشیر تقدیرات الأمم المتحدة لسنة 2003 إلى أنّ ھناك حوالي 100 ملیون قطعة سلاح منتشرة في القارة خصوصا في مناطق الحدود. ویلعب التمویل الخارجي دورا كبیرا في إشعال الحروب حیث يبحث المتمردون عن الأسلحة و الأموال والتدریبات لتحقيق مطالبهم، كما أنّ السكان في ھذه المناطق أصبحوا یبحثون عن السلاح لیس للتمرد، وإنما للدفاع عن النفس من قطاع الطرق وعصابات الجریمة المنتشرة بكثرة. (بوبصلة، 2012)

وفيما يتعلق بالهجرة السرية، فإنه ومنذ عام 1990 وحتى عام2000 ، یمكن أن نلمس ارتفاعا في أعداد المھاجرین الأفارقة السریین. وبحسب تقدیرات رسمیة جزائریة فانه تم إیقاف ما معدله 6000 رعیة أفریقیة بین عام 2002 وعام 2006 . وقد تعقدت مشكلة الھجرة السریة أكثر فأكثر، حیث أنّ أعداداً غیر محدودة من المھاجرین السریین الأفارقة اتبعوا المغاربة الذین یعبرون المتوسط للوصول للضفة الجنوبیة للقارة الأوروبیة، عبر قوارب الصیادین. وشجع ھذا الطریق المزید من الأمواج البشریة للقدوم نحو شواطئ الجزائر وتونس. (بوبصلة، 2012)

البعد الثالث: الفشل البنيوي والوظيفي للدولة

إنّ ضعف نموذج بناء الدولة في أفريقيا عموماً وفي دول الساحل الأفريقي خصوصاً شجع بالضرورة على صعود لاعبين من غير الدول ، تحركوا لسد الفراغ الأمني والاقتصادي والاجتماعي التي تركته دول الساحل الضعيفة، وخصوصاً في المناطق الحدودية التي تم اختراقها بشكل كبير من قبل الجماعات الإرهابية مثل “جماعة بوكو حرام” التي انطلقت من نيجيريا واستطاعت أن تخترق الدول المجاورة لها مثل الكمرون، وتشاد. إضافة إلى التهديدات النابعة من موجات الهجرة غير الشرعية، والتجارة غير الرسمية العابرة للحدود الوطنية، وبالتالي تداخلت هذه التهديدات والمخاطر – القديمة والجديدة – لتشكل ظاهرة وسمة لمنطقة الساحل الأفريقي.

تتسم دول القارة الأفريقية بأنّ نظم الحكم في غالبيتها عبارة عن أنظمة يصعب فهمها، حيث يصعب أحياناً التمييز بين نظم الحكم العسكرية والمدنية. فهناك نحو 29 دولة إفريقية شهدت بين عامي 1984 – 2004، إقصاء للعديد من الرؤساء عبر الانقلابات العسكرية. (عبد الشافي، 2014)

ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه في الوقت الذي نجحت فيه بعض الدول الأفريقية في إدماج الجماعات والقبائل المتنوعة داخل مكون الدولة، فشل البعض الآخر خاصة في تحقيق التنمية الاقتصادية المحدودة. فإضافة إلى هذه القدرة المحدودة، شهدت دول القارة الأفريقية صراعاً على السلطة، وتقاسماً للثروة بين فئات معينة دون غيرها من الجماعات الأخرى، خاصة تلك التي لم تبد تأييداً للنظام الحاكم وسعت إلى معارضته، وحتى الدخول معه في صراع مسلح. ففي مالي – على سبيل المثال – ونتيجة لتهميش بعض المناطق وكبر مساحتها الجغرافية، ظهرت عدة جبهات عسكرية وسياسية تطالب بحقوق سكان المنطقة. ومن هذه الجبهات حركة الطوارق للمقاومة، والحركة الشعبية لأزواد، والجبهة الإسلامية العربية لأزواد، حيث شكلت هذه الحركات أزمة حقيقية للحكومة المركزية في مالي. (مبروك، 2015)

المبحث الثاني: التنافس الفرنسي- الأمريكي في منطقة الساحل الأفريقي: الدوافع والآليات

من المتعارف عليه أنّ لكل منطقة من مناطق العالم لها خصائصھا وممیزاتھا التي تمیزھا عن غیرھا من حيث البعد الاستراتيجي، والظروف والأوضاع السياسية والاقتصادية، ویمكن لھذه الخصائص والممیزات أن تكون عنصر استقطاب لقوى إقليمية ودولية تحاول استغلال تلك الأبعاد بشكل یمكنھا من التأثیر في مجریات الأحداث. وسنحاول في هذا القسم تسليط الضوء على التنافس الفرنسي الأمريكي في منطقة الساحل الأفريقي، وتحديد دوافعه، ووسائله المتجسدة في سياسات البلدين في المنطقة.

المطلب الأول: دوافع التنافس الفرنسي- الأمريكي

أولا: دوافع الاهتمام الفرنسي بالساحل الأفريقي

عبــّر الرئیس الفرنسي السابق “فرانسوا میتران” أنه بدون قارة أفریقیا لن یكون لفرنسا تاریخاً في القرن الحادي والعشرین، فالقارة الأفریقیة كانت مجد فرنسا، ومنطقة نفوذھا التاریخیة. لذا من الصعب تخیّل قیام فرنسا بالتخلي عن أفریقیا.

إنّ هذه المقولة تؤكد المكانة التي تحتلها القارة الأفريقية بالنسبة لفرنسا، فهي الدولة التي استعمرت الكثير من بلدانها، بما فيها دول الساحل الأفريقي التي باتت تشكل مناطق نفوذ لفرنسا في القارة الأفريقية.

لقد عانت فرنسا من تأثير التحولات التي طرأت على النظام الدولي – بعد نھایة الحرب الباردة وتفكك الإتحاد السوفییتي- على مكانتھا الدولیة، وهذه التحولات جعلتها تسعى إلى تحديد وإعادة صیاغة سیاساتھا الخارجیة، خاصة مع ظھور قوى وفواعل جدیدة أصبحت تنافس فرنسا في المیدان الاقتصادي والتجاري والتكنولوجي.

یمكننا تحدید أھداف الاھتمام الفرنسي بالقارة الأفریقیة بصفة عامة، ومنطقة الساحل الأفریقي بصفة خاصة. فمن جهة تسعي فرنسا إلى الھیمنة على أفریقیا وبالتحديد الدول الناطقة باللغة الفرنسية “دول المنظومة الفرانكفونية” والاحتفاظ بمصالحھا الاقتصادية مع أفریقیا حیث بلغ حجم الصادرات الفرنسیة حوالي 13,5 ملیار دولار أمريكي سنویاً، فضلاً عن المشاریع الاقتصادية مثل شراء شركات المیاه والكھرباء والھواتف في السنغال، واستثمارات النفط في الكونغو-برازافیل. ومن جهة أخرى تسعى فرنسا إلى مواجھة النفوذ الأمریكي والصيني المتزاید في القارة خلال العقود التي تلت انتهاء الحرب الباردة. (بوبصلة، 2012)

وعليه، فإنه يمكن القول أنّ فرنسا حددت مجموعة من المصالح الأساسیة في القارة الأفریقیة عموماً وفي منطقة الساحل خصوصاً، حیث تشعبت ھذه المصالح بین مصالح اقتصادية، ومصالح إستراتیجیة وسیاسیة.

  • المصالح الاقتصادية

سعت فرنسا إلى البحث عن أسواق لتصریف السلع الفرنسیة المصنعة، وعن موارد ومواد أولیة لتنمیة الصناعات الفرنسیة، إذ تعاني فرنسا نقصاً في ھذه المواد، وبالتالي أصبحت مضطرة لاستكمال ھذا النقص من خارج حدودھا للحفاظ على صناعاتھا الوطنية.

لقد كانت فرنسا في مرحلة الثمانينات تعتمد بشكل كبير على دول أفريقيا خاصة الغابون والنيجر وساحل العاج وتشاد. ففرنسا لا تزال أكبر مستثمر في ساحل العاج حيث استحوذت في عام 2007 حوالي 150 شركة فرنسية على 68 بالمائة من الاستثمارات الأجنبية في ساحل العاج، كما هيمنت شركة أريفا الفرنسية Areva لمدة أربعة قرون على حقوق استخراج واستغلال اليورانيوم في النيجر. وتعتمد فرنسا على اليورانيوم المتواجد في النيجر بشكل كبير، إذ تعتمد على حوالي 75 بالمائة من احتياجاتها من الكهرباء على الطاقة النووية. (توفيق، 2014)

وبالتالي يعد العامل الاقتصادي عامل جذب مهم للمصالح الفرنسية في منطقة الساحل الأفريقي. فالمنطقة إلى جانب ثروتها النفطية المكتشفة خلال السنوات الأخيرة تزخر بالثروة المعدنية مثل الذهب واليورانيوم والفوسفات. (توفيق، 2014)

  • المصالح السياسية والإستراتيجية

تسعى فرنسا إلى الحفاظ على نفوذها الاستراتيجي والسياسي في منظومة دول “أفريقيا الفرنكونية”، كونها تعد مستعمرات سابقة لها، وذلك في ظلّ تصاعد التنافس على المنطقة بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وظهور قوى منافسة خاصة الصين التي تنظر إلى القارة الأفريقية من منظور استراتيجي لما تتمتع به المنطقة من ثروات معدنية يحتاجها الاقتصاد الصيني.

إلى جانب البعد الاقتصادي للسياسة الفرنسية في منطقة الساحل، تحظى المنطقة بقيمة إستراتيجية – عسكرية وأمنية – لدى فرنسا. وتجسد هذا الاهتمام في العديد من الجوانب لعلّ أهمها يتمثل في الاتفاقيات الدفاعية والأمنية بين فرنسا ودول المنطقة، إضافة إلى الانتشار العسكري الملحوظ والمتمثل في القواعد العسكرية الفرنسية المتواجدة في غرب ووسط أفريقيا. وبعبارة أخرى، تعطي فرنسا اهتماماً كبيراً للمنطقة من خلال تواجد قواتها العسكرية في بعض البلدان الأفريقية. فعلى سبيل المثال، اهتمت فرنسا – باعتبارها الدولة المستعمرة لتشاد – بتحقيق نوع من النفوذ عبر تواجد القاعدة العسكرية الفرنسية في البلاد منذ الستينيات من القرن الماضي. ويعود هذا التواجد العسكري الفرنسي في تشاد إلى أهميّتها بالنسبة لفرنسا من الناحيتين الإستراتيجية والسياسيّة حيث تدخّلت فرنسا مرات عديدة في الشئون السياسيّة الداخلية لتشاد من خلال تسليم الأقلية المسيحية مقاليد السلطة بعد استقلال البلاد، وكان لهذا التدخل تأثيره، كونه أذكى الصراع السياسي وساهم في اندلاع الحرب الأهلية بين الأقلية المسيحيّة والأغلبية المسلمة خلال نهاية السبعينات من القرن الماضي. (طه، 2013)

ولئن كانت فرنسا تدخلت في بعض البلدان الأفريقية للحفاظ على مصالحها الإستراتيجية والسياسية، فإنّ الحفاظ على استقرار الأنظمة الأفریقیة كان ھدفاً أساسیاً للسیاسة الفرنسیة في القارة الأفريقية؛ فھذا الاستقرار – كما تراه فرنسا- یقلّل من احتمال اندلاع الحروب الأھلیة بین العرقیات والقبائل المختلفة. لذلك تفضّل فرنسا في بعض الأحيان مساندة النظم القائمة – رغم السلبيات الكثيرة لتلك الأنظمة – لتخوفها من تشجیع نظم جدیدة لا تعرف فرنسا مدى قدرتھا على السیطرة على شعوبھا.

ثانيا: دوافع الاهتمام الأمريكي بالساحل الأفريقي

بخلاف فرنسا، فإنّ الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك ميزة خاصة، كونها دولة لا يربطها أيّ ماضٍ استعماري مشترك مع القارة الأفريقية. فمنذ ظهور الدولة الأمريكية على الساحة الدولية، وحتى الحرب العالمية الثانية، تميزت السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القارة الأفريقية بالتجاهل وعدم الاهتمام. وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت مسألة محاصرة المد الشيوعي في قائمة اهتمامات السياسة الخارجية الأمريكية في أفريقيا، وذلك في عام ١٩٤٧ وعام ١٩٨٩. إلا أنه ومنذ عام ١٩٩٨ اتضحت ملامح السياسة الخارجية الأمريكية تجاه دول القارة الأفريقية. (رسولي، 2011)

ومن هنا يمكن القول أنه لم تشكل القارة الأفريقية أهمية محورية في التفكير الاستراتيجي الأمريكي الجديد إلا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وتحديداً فترة نهاية التسعينيات من القرون الماضي وفترة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وفي الوقت الراهن، أصبحت مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية مرتبطة برؤيتها الإستراتيجية الشاملة، وبحاجات اقتصادها الوطني. لذلك، فإنّ دوافع التوجه الأمريكي في أفريقيا عموماً وفي منطقة الساحل الأفريقي خصوصاً يتركز في بعدين مكملان لبعضهما البعض؛ وهما البعد الاقتصادي، والبعد الأمني.

  • البعد الاقتصادي

ترجع أهمية القارة الأفريقية في الحسابات الأمنية الأمريكية إلى عوامل متعلقة أولاً بالعقيدة الأمنية الأمريكية المتعددة الأبعاد؛ وثانياً، إلى عوامل أخرى متعلقة بأفريقيا حيث تحتوي القارة على ثروات وموارد ضخمة.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، يكتسب النفط الأفريقي أهمية إستراتيجية كبيرة، حيث بدأت باستيراده منذ الخمسينيات من القرن الماضي. وقد نشرت العديد من التقارير الرسمية وغير الرسمية التي تؤكد هذه الأهمية للنفط الأفريقي لعلّ أبرزها تقرير وكالة الطاقة الأمريكية الذي أشرف عليه نائب الرئيس الأمريكي السابق “ديك تشيني” حيث حددت فيه قائمة من الأولويات والأهداف وإستراتيجيات الإدارة الأمريكية في مجال أمن الطاقة القومي. ويؤكد التقرير على أنّ الولايات المتحدة الأمريكية سوف تعرف خلال العشرين سنة المقبلة ارتفاعاً كبيراً في استهلاك البترول بنسبة تصل إلى 33 % بينما سترتفع هذه النسبة في استهلاك الغاز بنسبة 50 % مما يطرح على عاتقها مهمة جديدة تتمثل في البحث عن إمكانية تنويع مصادر الحصول على البترول من مناطق جغرافية مختلفة. (رسولي، 2011)

من هذا المنطلق، تأتي الأهمية الاقتصادية لمنطقة الساحل الأفريقي لدى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أنّ استهلاك الطاقة قضية حيوية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ولأمنها القومي. فتوقف الإمدادات النفطية سيشكل تهديداً لأمنها القومي، وقد عبر عن ذلك الرئيس الأمريكي السابق “جورج بوش “عن العلاقة بين الأمن القومي الأمريكي والطاقة بقوله “أن أمن الطاقة هو الأمن القومي، ونحن يجب أن نعمل وفقاً لذلك”. (إغناسيوس، 2011)

  • البعد الأمني

أصبحت منطقة الساحل الأفريقي تحتل مكانة إستراتيجية كبيرة لدى صناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وذلك في سياق ما عرف بالحرب الكونية على الإرهاب.

ومن خلال استعراض الواقع الأمني للساحل الإفريقي في المبحث الأول من هذه الدراسة، اتضح لنا بأنّ هذه المنطقة تعاني من العديد من المشاكل التي تجعل من الوضع الأمني فيها غير مستقر، حيث تنتشر الجريمة المنظمة بكل أشكالها، والأزمات الداخلية، ومشاكل الأقليات، إضافة إلى التنظيمات الإرهابية التي تتواجد في المنطقة.

لقد تعززت المخاوف الأمریكیة على أمن واستقرار منطقة الساحل الأفریقي إثر التحوّل الذي حدث بفعل تزايد وتيرة نشاط ”الجماعة السلفیة للدعوة والقتال”، حیث استطاعت استغلال الفراغ الأمني على مستوى الحدود الصحراوية الشاسعة، والذي أتاح لها التحرك والقيام بأنشطة هددت كيانات وحكومات العديد من دول الساحل الأفريقي، وقامت باختطاف العديد من مواطني الدول الغربية. (Liann Kennedy, 2009)

لهذا باتت واشنطن تعتبر منطقة الساحل الإفريقي جبهة جديدة في حربها العالمية على الإرهاب، وصارت عملية تسهيل التعاون بين الحكومات في المنطقة وتعزيز قدرتها من اجل مكافحة التنظيمات الإرهابية ومنع تلك التنظيمات من إقامة قواعد في هذه المنطقة هدفاً رئيسياً للولايات المتحدة منذ عام 2003.

من هنا تظهر أهمية الساحل الإفريقي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، حيث أنّ الاهتمام بهذه المنطقة يدخل في إطار الحرب العالمية الأمريكية على الإرهاب. ولئن كانت العمليات الإرهابية الحالية في المنطقة تستهدف خطف الأجانب أو المنشآت الحكومية لدول المنطقة كما حدث في الجزائر، فانّ الحكومة الأمريكية تخشى من تطوّر نشاط الجماعات الإرهابية إلى خارج الحدود الإقليمية ويتعداها إلى الدول الغربية. كما تخشى من تهديد مصالحها في المنطقة على غرار ما حدث في دلتا النيجر حيث تكررت الاضطرابات في حقول النفط في المنطقة، خاصة في الحقول النيجيرية، وهو ما يشكّل تهديداً للمصالح الأمريكية في تأمين واستقرار التنقيب عن النفط والمعادن . (رسولي، 2011)

المطلب الثاني: وسائل السياسة الفرنسية-الأمريكية في الساحل الأفريقي

إنّ التوجهات الجديدة لكلّ من فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية تجاه منطقة الساحل الأفريقي تظهر لنا تنافساً حقيقاً بين البلدين. وبشكل ملحوظ، تتركز آليات هذا التنافس في الوسائل الأمنية والعسكرية، والوسائل الاقتصادية.

أولا: الوسائل الأمنية والعسكرية

استمرت فرنسا في ممارسة النفوذ والوصايا على الكثير من مستعمراتها السابقة، وذلك من خلال تجديد سياساتها تجاه تلك الدول عبر اتفاقيات الدفاع المشتركة – سواء كانت في شكلها الثنائي أو المتعدد الأطراف – مع دول غرب ووسط أفريقيا مثل السنغال، وموريتانيا، وساحل العاج. وقد نجحت فرنسا في الحفاظ على قواتها العسكرية حتى اليوم، في كل من تشاد وبوركينافاسو.

وفي ظل النظام الدولي الجديد، وفي إطار الصراع والتنافس الدولي في القارة الأفريقية، قامت فرنسا بتطوير سياساتها المتعلقة بالتعاون العسكري، حيث اعتمدت على خطط تقوم على إنشاء قوة “التدخل السريع” في دول القارة الأفريقية؛ تجسد ذلك في تنظيم العديد من المناورات خاصة المناورات العسكرية التي تمت مع السنغال في عام 1998. وفيما يتعلق بالساحل الأفريقي فإنّ فرنسا اعتمدت على انتهاج سياسة “التدخل العسكري” من أجل توسيع نفوذها والمحافظة على مصالحها في المنطقة، وشكّل التدخل العسكري في “أزمة مالي” في يناير 2013 أبرز مثال لهذه السياسة. (حسن، 2013)

ويشير الباحث الجزائري عشور قشي إلى أنّ هذا التدخل – على الرغم من مبرراته التي صاغتها فرنسا – إلا أنه يأتي في إطار مجموعة من العوامل منها:

  1. نظرة فرنسا إلى منطقة غرب أفريقيا كمنطقة نفوذ جيوسياسي مجاور لدول البحر المتوسط.
  2. المصالح الفرنسية في منطقة الساحل جعلت فرنسا تتخوف من تضرر مصالحها الاقتصادية في النيجر والسنغال وبوركينافاسو.
  3. يأتي التدخل العسكري الفرنسي في مالي في سياق سياسة هجومية تتبعها فرنسا في السنوات الأخيرة، لكي تنافس بها الدول الكبرى خاصة الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي المقابل، تؤكد الولايات المتحدة الأمريكية على أنّ اهتمامها بمنطقة الساحل الأفريقي يأتي نتيجة للتهديدات الأمنية المتزايدة التي تواجهها المنطقة، خاصة التهديد الإرهابي. لذلك سعت إلى تبني ودمج مجموعة من الوسائل الأمنية والعسكرية والاقتصادية، لعلّ أبرزها يتمثل في مبادرة الساحل المعروفة بـ Pan Sahel، ومبادرة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء، وإنشاء القيادة العسكرية الأمريكية الموحدة المعروفة ب “أفريكوم”.

وفي هذا الإطار، استحدثت الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2002 مبادرة الساحل Pan Sahel initiative ، وهي عبارة عن شراكة بين الولايات المتحدة الأمريكية ومالي، والنيجر، وتشاد، وموريتانيا. بدأت المبادرة في العمل بوصول فريق أمريكي لمكافحة الإرهاب إلى نواكشوط العاصمة الموريتانية حيث ضمّ الفريق 500 جندي أمريكي نشر حوالي 400 منهم في المنطقة الحدودية بين النيجر وتشاد. وقدرت ميزانية المبادرة لمدة عامين بحوالي7.75 مليون دولار أمريكي قدمتها وزارة الخارجية الأمريكية. (رسولي، 2011)

بيد أنّ الولايات المتحدة الأمريكية اتبعت نهجاً شاملاً لا يعتمد فقط على التدريب وتقديم معدات لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، وإنما يعتمد على المساعدات الإنمائية وغيرها من عناصر الإستراتيجية الشاملة لمكافحة الإرهاب. وهو بالفعل ما تجسد فيما عرف بـ” مبادرة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء” التي أنشئت في عام 2005. وهذه المبادرة هي امتدادا للمبادرة المشار إليها سابقا، وتم فيها توسيع نطاق المشاركة لتشمل بالإضافة إلى الدول الأربعة السابقة وهي كل من الجزائر والسنغال واعتماد تونس والمغرب ونيجيريا كمراقبين. وتقدّر ميزانية المبادرة بحوالي500 مليون دولار أمريكي، بمعدل 100 مليون دولار للسنة الواحدة. وتذهب نسبة 40 % من هذه الميزانية إلى الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية من أجل التعليم والصحة ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها من مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. (رسولي، 2011)

في إطار مبادرة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء، زادت الولايات المتحدة الأمريكية من مستوى معوناتها الخارجية لدول الساحل. فعلى سبيل المثال، بلغ مجموع ما أنفقته على تشاد خلال الفترة الممتدة من عام 2004 وحتى عام 2009 حوالي 187.2 مليون دولار، خصص حوالي 133 مليون دولار أمريكي لبرامج الإغاثة، وحوالي4.3 مليون دولار أمريكي على شكل منح إلى وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية العاملة في تشاد. (طه، 2013)

لم تكتف الولايات المتحدة الأمريكية بهاتين المبادرتين، وإنما أبدت رغبتها في إنشاء قيادة عسكرية أمريكية جديدة خاصة بالقارة الإفريقية من أجل التعامل مع التهديدات الأمنية ليس في الساحل الإفريقي وحسب، بل في مختلف أنحاء القارة كالقرن الإفريقي وخليج غينيا. وتم إنشاء القيادة العسكرية الموحدة الخاصة بإفريقيا عام 2007، ويطلق عليها اختصاراً بقوة الأفريكوم “Africom” ويقع مقرها في مدينة شتوتغارت الألمانية بسبب رفض دول الساحل استقبال مقر هذه القيادة. وتضم “الأفريكوم” موظفين عسكريين ومدنيين ومسئولين من وزارة الخارجية الأمريكية، وهو ما يعني أنه قوة الأفريكوم ليست قوة عسكرية خالصة، بل تعمل إلى جانب الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. وحددت مهام الأفريكوم في بناء إمكانيات الشراكة مع الدول الإفريقية، وإدارة نشاطات الأمن والتعاون في المسرح الإفريقي، وزيادة مهارات الشركاء في الحرب ضد الإرهاب، ودعم المساعدات الإنسانية والتخفيف من آثار الكوارث، واحترام حقوق الإنسان. (إبراهيم ، 2008)

ثانيا: الوسائل الاقتصادية

تحاول فرنسا جاهدةً منذ اكتشاف النفط في منطقة الساحل الأفريقي في الخمسينيات من القرن الماضي بلورة إستراتيجية خاصة بالمنطقة، من خلال تأسيسها لما عرف ب “المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية”. إلا أنّ هذا المشروع لم يكتب له النجاح، واضطررت فرنسا لاحقاً إلى الاعتماد على التجارة البينية بين دول وسط وغرب أفريقيا وزيادة حجم الاستثمارات الفرنسية فيها. (قشي، 2015)

أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فیمكن أن نكتشف أھداف التحرك الاقتصادي الأمریكي الجدید في أفریقیا من خلال التقریر الذي صدر في منتصف عام 1997 والذي كان بعنوان ”تعزیز العلاقات الاقتصادية للولایات المتحدة مع أفریقیا” حیث أعده فریق من الخبراء الأمريكان بتكلیف من مجلس العلاقات الخارجیة. فقد أوصى التقریر بأن تكون الولایات المتحدة الأمريكية في مقدمة الدول الصناعیة الكبرى للاستفادة من الفرص الجدیدة في أفریقیا.

تتطلع الولايات المتحدة الأمريكية إلى زيادة سيطرتها على النفط الأفريقي حتى تسيطر على المخزون العالمي، وهذا ما دفعها إلى التنافس مع النفوذ الفرنسي في المنطقة من خلال تواجد الشركات النفطية الأمريكية في دول الساحل، وبالأخص حضور كل من شركة Exxon Mobil، وشركة Chevronas.

كما قامت الولايات المتحدة بزيادة حجم استثماراتها في قطاعي النفط والغاز، فعلى سبيل المثال وقّعت اتفاقية تهدف إلى مضاعفة حجم التجارة والسماح للشركات الأمريكية بالاستثمار في الجزائر، حيث زاد حجم الاستثمارات الأمريكية في قطاعي النفط والغاز. وأصبحت بذلك الولايات المتحدة الأمريكية من أكبر المستثمرين في الجزائر حيث بلغ حجم استثماراتها حوالي 2.7 مليار دولار أمريكي، في حين أنّ فرنسا الشريك الاقتصادي الأول للجزائر تستثمر فقط 500 مليون يورو حسب إحصائيات عام 2003. ( Lefebre, 2003)

 

خاتمة: انعكاسات التنافس الفرنسي-الأمريكي على دول الساحل

من خلال ما تم استعراضه في هذه الدراسة، يمكن القول أنّ جمهورية تشاد باعتبارها أحد دول منظومة الساحل والصحراء الكبرى الأفريقية، فإنها تتأثر بالأحداث التي تشهدها المنطقة نتيجة للتوازنات والصراعات بين الدول الكبرى الحاصلة فيها. ونجد أنّ العديد من المعطيات والتطورات التي تشهدها هذه المنطقة تنعكس – بشكل مباشر أو غير مباشر – على تشاد، وفي كافة المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية. وعليه، فإنّ التنافس الفرنسي الأمريكي في هذه المنطقة له انعكاساته على الأوضاع في تشاد باعتبار أنّ تشاد تعد منطقة نفوذ لفرنسا من جهة، وكونها بيئة جاذبة للقوة الأمريكية الطامعة في استغلال الموارد النفطية التشادية من جهة أخرى. ويمكن إبراز مظاهر هذا التنافس في تشاد في النقاط التالية:

أولا: تعتبر تشاد أحد أهم محاور المنافسة بين القوى الفرنسية والأمريكية في الساحل الإفريقي، حيث تعد جمهورية تشاد – بحكم موقعها الذي يتوسط القارة الأفريقية – موقع مهم للنفوذ الفرنسي في هذه المنطقة. ّويتمثل التحدي والمنافسة الأساسية التي تواجهها فرنسا في تشاد في الولايات المتحدة الأمريكية. وعلى الرغم من الوضع الدفاعي الذي تبدو عليه الإستراتيجية الفرنسية وهي تحاول جاهدة الحفاظ على مواقع نفوذها التقليدية في القارة الإفريقية بما فيها تشاد، فإنّ الإستراتيجية الفرنسية لا تخلو – في نفس الوقت – من النزعة الهجومية في ظل تغلغل أمريكي وصيني يسعى إلى تأكيد حضوره على الساحة التشادية.

ثانيا: شهدت العلاقات التشادية الفرنسية بعض التوترات، ففي شهر مارس من عام 2000 ، طلبت تشاد من السفير الفرنسي آنذاك مغادرة أراضيها نتيجة لخلافات بين الطرفين، وقامت فرنسا بدورها بدعوة البنك الأوروبي للاستثمار إلى تعليق مساهمته في مشروع حوض “سيدجي ” النفطي بدعوى أنّ الاشتراطات البيئية والمهنية غير متوافرة. كما أصدرت السفارة الفرنسية في تشاد بيانا أعلنت فيه عن انسحاب الشركة الفرنسية للنفط « ELF »من الاستثمار في تشاد، وتبعها انسحاب شركة “شل” البريطانية، وهو ما أدى إلى تظاهرات كبيرة في تشاد تم خلالها إحراق المباني والسيارات الفرنسية.

ثالثا: بدورها استغلت الولايات المتحدة توتر العلاقات الفرنسية التشادية وعملت على توطيد علاقاتها مع تشاد، فتمكنت من فتح الباب أمام الشركات الأمريكية للدخول بثقلها في الاستثمارات النفطية بتشاد. كما سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى زيادة مستوى معوناتها الخارجية لتشاد خلال السنوات الأخيرة إذ بلغ مجموع ما أنفقته خلال الفترة من 2004-2009 إلى حوالي 187.2 مليون دولار أمريكي، منها 133 مليون دولار أمريكي لبرامج الإغاثة، وحوالي 4.3 مليون دولار أمريكي عبارة عن منح إلى وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية العاملة في تشاد.

رابعا: اتجهت الولايات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة إلى توجيه تمويلها ومعوناتها الرسمية للتحكّم في الحراك السياسي في تشاد من خلال تمويل منظمات المجتمع المدني، وإشراك وزارة الدفاع الأمريكية ومنظمة USAID التي اهتمت خلال السنوات الأخيرة بدعم قضايا المجتمع المدني في تشاد، ودعم قضايا تمكين المرأة، والمشاركة السياسية.

خامسا: أدركت فرنسا بدورها مخاطر التغلغل الأمريكي في تشاد، فعملت على إعادة توطيد علاقاتها مع تشاد مرة أخرى. كما عملت فرنسا على تثبيت وجودها في تشاد من خلال مشاركتها في القوات العسكرية الأوروبية التي تم نشرها في شرق تشاد عام 2007. وكانت فرنسا من الأطراف الرئيسية التي ساهمت في تشكيل قوات حفظ السلام الدولية في شرق تشاد حيث وصل عدد جنودها في هذه القوات إلى ألفي جندي فرنسي.

 

قائمة المراجع

المراجع العربية

  1. أميرة‏ ‏محمد‏ ‏عبد الحليم، نذر الانهيار:تأثير الاضطرابات الداخلية على الأمن الإقليمي للساحل والصحراء، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، 2013.
  2. أمینةبوبصلة، التنافسالفرنسيالأمریكيفيمنطقةالساحل الإفریقيفيفترةمابعدالحربالباردة، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعةالجزائر، 2012.
  3. أسماء رسولي، مكانة الساحل الأفريقي في الإستراتيجية الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، رسالة ماجستير غير منشورة 2011، جامعة الحاج لخضر باتنة.
  4. إيمان أحمد عبد الحليم، حسابات باريس: عوائق التدخل العسكري الفرنسي في شمال مالي، السياسة الدولية، العدد 191، يناير 2013.
  5. إبراهيم علي إبراهيم، أفريكوم: اتجاه جديد في العلاقات الأمريكية الأفريقية، إيلاف، 31 أكتوبر 2007.
  6. ديفيد إغناسيوس، أفريكوم: مهمة غير مفهومة، الشرق الأوسط، يناير 2008 .
  7. راوية توفيق، السياسة الفرنسية في أفريقيا، الأداة العسكرية في خدمة المصالح الاقتصادية ودعاوى المهمة الحضارية، قراءات افريقية، أبريل 2014.
  8. سعيد طه، المنظمات الدولية غير الحكومية في إطار التحولات الدولية، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة الكويت، 2013.
  9. شاكر ظريف، أزمة الدولة في منطقة الساحل الأفريقي والصحراء الكبرى: دراسة في الأسباب والانعكاسات، المجلة العربية للعلوم السياسية، ربيع 2015.
  10. عشور قشي، التنافس الفرنسي – الأمريكي حول منطقة الساحل الأفريقي: دراسة في منطلقات الاهتمام وآليات التغلغل، المجلة العربية للعلوم السياسية، العددان 45/46، شتاء – ربيع 2015.
  11. عصام عبد الشافي، معضلة مزمنة: تعقيدات غياب الأمن في الساحل والصحراء، السياسة الدولية، القاهرة، العدد 195، يناير 2014.
  12. محمد صالح أيوب، مظاهر الثقافة العربية في تشاد المعاصرة وتحديات العولمة، القاهرة: مطابع الصفا للمطبوعات التجارية، 2008.
  13. مبروك كاهي، منطقةالساحلالإفريقي: صراعاتقديمةوتحدياتجديدة، جامعةورقلة، 2015، الجزائر.
  14. مصطفى كامل السيد، الإستراتيجية العسكرية الفرنسية في أفريقيا، السياسة الدولية، العدد 145، يوليو 2001.

المراجع الأجنبية:

  1. From New Frontier to New Normal: Counter-terrorism operations in the Sahel-Sahara, Richard Reeve and Zoë Pelter, August 2014.
  1. La sécurité au Sahel après la crise du Mali Quels enjeux et défis pour les pays régionaux et internationaux? Séminaire international organisé le 28 Mars.
  1. Liann Kennedy –Bondali , ‘’Examining US Counter Terrorism Priorities and Strategy across Africa’s Sahel Region ‘’, RAND corporation , November 2009.
  1. Robert G. Berschinski, «Africom’s dilemma :The global war on terrorism, capacity building, humanitarianism, and the future of U.S security policy in Africa» , November 2007, in 1Pabst Martin, «External interest in west Africa».
  1. Alex Lefebre, «Chirac promotes French interests in Algeria », 15 march 2003, in http://www.wsws.org/articles/2003/mar2003/alge_m15.shtml.

نظرة من الأعلى: السياسة الدولية، المعايير، والنمو العالمي للمنظمات غير الحكومية للباحث كيم ريمان (2006)

عرض: سعيد طه

تكاثرت المنظمات غير الحكومية من حيث العدد، وأصبحت على نحو متزايد من الفاعلين المؤثرين في الشئون الدولية خلال العقود الثلاثة الأخيرة. ومع التزايد الملحوظ في أعداد ونشاط هذه التنظيمات الغير حكومية ظهرت العديد من الأدبيات والدراسات التي تعاملت معها، وشملت حقول معرفية مختلفة منها على سبيل المثال أدبيات العلوم السياسية والإنثربولوجيا وعلم الاجتماع، حيث تميزت غالبية هذه الأدبيات بميلها إلى دراسة أدوار المنظمات غير الحكومية – سواءً على الصعيد الدولي أو الوطني – ودراسة الوظائف التي تؤديها، والنتائج التي تحققها على أرض الواقع. غير أنّ هذه الدراسة التي بصددها تأخذ منحى مغاير وتطرح تفسيراً مختلفا؛ إذ أنها تسعى لفهم مسألة وإشكالية جوهرية، وهي لماذا ظهرت هذه المنظمات النشطة عالميا. وسبب طرح هذه الإشكالية يعود إلى أنّ معظم من الأدبيات التي تعاملت مع المنظمات غير الحكومية انطلقت من تفسير قاعدي “Bottom-up” عبّر عن ظهور هذه المنظمات بأنه تشكل نتيجة للاستجابة المجتمعية للعوامل الاقتصادية والاجتماعية، ولثورة المعلومات، ولتراجع دور الدولة القومية، وهو ما اتضح لدى علماء السياسة أمثال جوزيف ناي وروبرت كوهين حين أكدو في دراساتهم عن الفاعلين العابرين للحدود القومية أنّ الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاندماج في الاقتصاد العالمي كانت عوامل رئيسية وراء زيادة أعداد المنظمات غير الحكومية. بينما أكد كتاب آخرون أنّ تراجع الدولة والأنشطة العابرة للحدود القومية بسبب ثورة المعلومات كانت عوامل جوهرية لنمو المنظمات غير الحكومية. وخلافاً لهذه التفسيرات، ظهر نهج هيكلي بديل يميل إلى التركيز على الهياكل الفوقية ويتمثل في “التفسير العلوي” الذي يتعامل مع تفسير نمو المنظمات غير الحكومية انطلاقا من هياكل النظام الدولي والتطورات التي شهدها على صعيد العولمة السياسية.

ومن هنا يسعى الباحث عبر هذه الدراسة إلى جذب الانتباه إلى هذا النهج الجديد، وتقديم منهجية هيكلية لتفسير ظهور ونمو المنظمات غير الحكومية ينطلق من تحليل الهياكل العلوية “Top-down” لفهم النمو السريع للمنظمات غير الحكومية في فترة ما بعد الحرب الباردة. وهذا التفسير يدور حول بعدين من العولمة السياسية. فالبعد الأول يتمثل في الفرص السياسية على الصعيد الدولي من خلال أشكال الدعم المالي عبر آليات التمويل، وتزايد قنوات المشاركة والتمثيل والتفاعل السياسي والاجتماعي في عالم ما بعد الحرب البادرة، حيث وفرت بيئة مواتية لنمو المنظمات غير الحكومية وانتشارها على الصعيد الدولي. أما البعد الثاني فيتمثل في ظهور معايير وسلوكيات مؤيدة للمنظمات غير الحكومية خلال فترة الثمانينات والتسعينيات من طرف الحكومات الغربية والمنظمات الدولية، حيث ساهمت هذه المعايير بدورها في ترويج نشاط المنظمات غير الحكومية وانتشارها خارج نطاق الدول الغربية. وعليه، فإن النقاش الذي تثيرة هذه الدراسة يتمثل في أنّه يستحيل فهم النمو الكبير للمنظمات غير الحكومية دون الأخذ بعين الاعتبار الطرق التي عملت من خلالها الدول، والمنظمات الدولية، وغيرها من الهياكل في تحفيز وتشجيع نشاط المنظمات غير الحكومية على المستويات العليا، والتي تمخضت عن عمليات العولمة السياسية المتمثلة في عولمة الهياكل السياسية، والمؤسسات، ونشر قيم الديمقراطية الليبرالية الغربية.

أولا: الفرص السياسية الدولية ونمو المنظمات غير الحكومية

يؤكد الباحث أنه على الرغم من غياب نظرية واضحة تفسر نمو المنظمات غير الحكومية من منظور علوي، فإنّ الأدبيات التي ظهرت في حقل العلوم السياسية وعلم الاجتماع توفر أطراً هامة يمكن الاستعانة بها مثل نظرية الدولة، ونظرية الحركات الاجتماعية، باعتبار أنّ هذه النظريات تقدم إطاراً مناسباً لمنهج ينطلق من الهياكل العليا في تفسير النمو العالمي للمنظمات غير الحكومية. ويرى الباحث بأنه وعلى غرار ما أفرزه ظهور الدولة القومية وعمليات بناء الدولة في دول الغرب من ظهور أشكال جديدة للنشاط المدني ولنشاط المنظمات، فإنه – وعلى نفس المنوال – ساهم إنشاء المؤسسات المؤسسات الدولية الجديدة ونموها السريع في فترة ما بعد الحرب الباردة في تحفيز نمو المنظمات غير الحكومية في العالم عبر توفير فرص سياسية جديدة وحوافز للتنظيم. وتحديداً فإنّ التوسع في النظام الدولي ساهم في توفير نوعين من الفرص الدولية كانت حاسمة لنمو مجموعات من المواطنين على المستوى الوطني والدولي وهما: فرص الموارد المادية عبر المنح والعقود وغيرها من أنواع الدعم المؤسسي، وعمليات التفاعل السياسي من خلال الوصول إلى هيئات صنع القرار السياسي.

1.     البرامج الدولية وصعود داعمي المجتمع المدني العالمي  

لا شك في أنّ المنظمات غير الحكومية لا يمكنها أن تنشط دون توفر الدعم المادي، فعلى الرغم من أهمية التبرعات الخاصة التي تتلقاها المنظمات غير الحكومية من الأفراد، إلا أنّ الدعم والمنح من قبل الدول والمنظمات والمؤسسات لعبت دوراً مهماً في تطوّر هذه المنظمات. وهنا يشير الباحث إلى أنه توسعت قاعدة الداعمين الدوليين للمنظمات غير الحكومية بشكل كبير خلال العقود الأخيرة، وباتت تضم الدول، والمنظمات الحكومية وشبه الحكومية، والمؤسسات الخاصة. ويقدر الباحث أنه خلال نهاية التسعينيات أصبحت المنظمات غير الحكومية تتلقى ما يقارب 6-8 مليار دولار أمريكي سنويا من خلال الدعم عبر التمويل الخارجي. ومن أبرز مصادر هذا الدعم تتمثل في الأمم المتحدة والوكالات التابعة لها، إذ وفرت أنشطة الأمم المتحدة محفزات لتزايد نشاط المنظمات غير الحكومية. ففي مجالات أنشطة الإغاثة وتأهيل اللاجئين، عملت المنظمات غير الحكومية بالتنسيق والمشاركة مع وكالات الأمم المتحدة مثل الأنروا، والمفوضية السامية للاجئين، كما أنه وبحلول الثمانينات ازداد اعتماد الأمم المتحدة على المنظمات غير الحكومية، إذ لم تعد الأمم المتحدة تقدم الدعم لهذه المنظمات لتنفيذ المشاريع الخاصة بها، بل باتت تقدم الدعم في مجالات حضور المؤتمرات والتدريب وبناء القدرات، حيث وصل إجمالي الدعم المقدم للمنظمات غير الحكومية من قبل الأمم بحلول نهاية التسعينيات إلى أكثر من 2 مليار دولار أمريكي سنوياً. والملاحظ أنّ نسبة كبيرة من دعم الأمم المتحدة تم تقديمه إلى المنظمات غير الحكومية الخدمية في مجالات المساعدات الإنسانية والإغاثية وفي مجالات التنمية الدولية. كذلك ساهم الاتحاد الأوروبي بشكل ملحوظ في دعم المنظمات غير الحكومية عبر المساعدات الثنائية من دول الاتحاد الأوروبي وبرنامجي التمويل الخاص بالمنظمات غير الحكومية الذي ترعاهما المفوضية الأوروبية للشئون الإنسانية، إذ تراوحت نسبة الدعم الذي قدمه الاتحاد الأوروبي لهذه المنظمات بين 15% إلى 20% من إجمالي مساعداته الخارجية. وبحلول عقد التسعينيات نُفذ نصف الدعم المقدم لمشاريع تأهيل اللاجئين من المفوضية الأوروبية للشئون الإنسانية بواسطة المنظمات غير الحكومية. ومن جانب آخر ساهمت وكالات المعونة الغربية عبر المساعدات الثنائية في تقديم الدعم للمنظمات غير الحكومية، وهو ما اتضح من خلال تغير نمط سياسات المعونات الخارجية خلال الثمانينات من المساعدات المتعددة الأطراف إلى المساعدات الثنائية بهدف إيجاد صيغة جديدة للمساعدات قائمة على المشاركة المدنية، حيث ألهمت تحولات ما بعد الحرب الباردة – خاصة عمليات التحول الديمقراطي في دول العالم الثالث – الوكالات الغربية المانحة لتغيير سياسة المعونات. وبذلك تراوحت نسبة إجمالي الدعم الذي قدمته وكالات المعونة الغربية للمنظمات غير الحكومية بين 10-25% من إجمالي معوناتها الخارجية. وتلقت المنظمات غير الحكومية الخدمية العاملة في مجالات التنمية الدولية والأزمات الإنسانية النسبة الأكبر من هذا التمويل، إضافة الدعم الخاص للمنظمات الدفاعية عبر “مساعدات المجتمع المدني” لدعم وتعزيز الديمقراطية، والشفافية، ومكافحة الفساد، وحقوق الإنسان، وحقوق المواطنين، وتنظيم العمل والمشاركة المدنية. وتعد الولايات المتحدة الأمريكية أحد أهم وكالات المعونة الثنائية عبر دعمها للمنظمات غير الحكومية من خلال منظمة USAID التي قدمت في عام 2002 حوالي 207 مليار دولار أمريكي إلى المنظمات الدفاعية في أكثر من 57 دولة مختلفة. ويلي الولايات المتحدة الأمريكية دول مثل كندا، وهولندا، وألمانيا، وبلدان الشمال الأوروبي التي تمول المنظمات غير الحكومية العاملة في مجالات التنمية، ومكافحة فيروس نقص المناعة البشرية “الإيدز”، والبيئة والسكان، وقضايا المرأة، وبناء السلام. كما لا يمكن إغفال دور المنظمات شبه الحكومية والمؤسسات السياسية في تمويل المنظمات غير الحكومية، ومن بين أكبر المؤسسات شبه الحكومية تلك المنظمات الإقليمية التي تركز على أقاليم محددة عبر دعم مؤسسات المجتمع المدني مثل مؤسسة البلدان الأمريكية، ومؤسسة التنمية الأفريقية التي أنشأتهما الولايات المتحدة الأمريكية، حيث وصل إجمالي المنح التي قدمتها هذه الجهات للمنظمات غير الحكومية في عام 1999 إلى أكثر من ألف منحة لدعم قضايا التنمية والانتخابات، إضافة إلى المؤسسات السياسية في دول الاتحاد الأوروبي التي تدعم المنظمات غير الحكومية خاصة المؤسسات السياسية في ألمانيا التي وصل إجمالي دعمها للمنظمات غير الحكومية في عام 1990 إلى حوالي 450 مليون دولار أمريكي لدعم قضايا حقوق الإنسان والتنمية الديمقراطية. إضافة إلى مؤسسات الفعل السياسي التي تأسست في الولايات المتحدة الأمريكية مثل الوقف الوطني للديمقراطية، والمعهد الوطني الديمقراطي، والمعهد الجمهوري الدولي التي أسسها الكونغرس الأمريكي لدعم الديمقراطية خارج الولايات المتحدة الأمريكية، والمركز الدولي لحقوق الإنساني والتنمية الديمقراطية في كندا، ومؤسسة ويست منستر في المملكة المتحدة. ومنذ إنشاء هذه المؤسسات مولت الآلاف من مشاريع المنظمات غير الحكومية في مجالات حقوق الإنسان والتحول الديمقراطي، وتنمية المجتمع المدني. ولم يقتصر الأمر على الحكومات والمنظمات الدولية ومؤسسات الفعل السياسي، بل ساهمت المؤسسات الخاصة في تمويل المنظمات غير  الحكومية وأصبحت حليفاً مهماً للكثير من المنظمات، وبحلول التسعينيات ازدادت معدلات المنح التي قدمتها المؤسسات الخاصة. فعلى سبيل المثال وصل الدعم الذي قدمته 14 مؤسسة خاصة – أمريكية – للمنظمات غير الحكومية خلال عامي 1999-2000 أكثر من 1.1 مليار دولار أمريكي.

2.     توسيع قنوات الوصول إلى عمليات القرار السياسي على المستوى الدولي

يتمثل العامل الثاني وراء نمو المنظمات غير الحكومية في الوصول إلى منافذ وساحات صنع القرار السياسي في ظل تطور نظام الحوكمة العالمية باعتباره نسقاً يتسم بالتعقيد ويضم مجموعة كبيرة من المنظمات، والأنظمة، وعمليات التفاعل. ونتفق مع الباحث هنا في أنّ الفرص المتزايدة للوصول إلى منافذ صنع القرار السياسي والمشاركة في عمليات وضع الأجندة ساهمت في تشكيل مجموعات جديدة، ووفرت فرصاً لبقاء المنظمات غير الحكومية، وذلك باعتبار أنّ الوصول إلى صانعي القرار السياسي يمكن أن يقدم للمنظمات غير الحكومية التأثير والشرعية اللازمة للبقاء، خاصة المنظمات المهتمة بقضايا حقوق الإنسان والبيئة. وعلى غرار جماعات المصالح والفرص التي حصلت عليها في دول الغرب للوصول إلى مؤسسات صنع القرار السياسي، ازداد التوجه من قبل المؤسسات الدولية نحو إفساح المجال أمام مشاركة المنظمات غير الحكومية للوصول إلى منافذ القرار السياسي، وفتح المجال أمامها للمشاركة في صنع السياسات وعمليات التنفيذ، وكذلك تنسيق الجهود والتعاون معها. يعود ذلك إلى حالة التعقيد التي اتسم بها النظام الدولي بسبب تكاثر المشكلات العالمية وتعقيدها. وعليه، فإنّ زيادة أعداد المنظمات غير الحكومية في مجالات حقوق الإنسان والبيئة وقضايا المرأة لم تحصل إلا بعد أن ازدادت أعداد المنظمات الدولية والمعاهدات الخاصة بتلك القضايا خلال فترة ما بعد الحرب الباردة.

وهنا يؤكد الباحث أنّ هذه الفرص تمثلت في نظام الأمم المتحدة الذي أفسح المجال للمنظمات غير الحكومية عبر منحها الصفة الرسمية. فميثاق الأمم المتحدة قدم – عبر المادة 71 – للمنظمات غير الحكومية المشاركة من خلال الصفة الاستشارية والتنسيق مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وصنفها إلى ثلاث مستويات حسب علاقتها بأنشطة المجلس. ومن هنا فإن المادة 71 قدمت فرصا سياسية هامة للمنظمات غير الحكومية مثل الاعتراف الرسمي العالمي، والمشاركة في المؤتمرات الدولية الخاصة بالأمم المتحدة. ومع مرور الوقت ازدادت فرص المنظمات غير الحكومية في المشاركة في سياسات الامم المتحدة، الأمر الذي ساهم بدوره في تقديم حوافز لهذه المنظمات للتنظيم والعمل على المستوى الدولي. كما قدمت الوكالات المتخصصة التابعة للامم المتحدة العديد من الآليات الرسمية وغير الرسمية لمشاركة المنظمات غير الحكومية. وعلى الرغم من تأسيس إدارة متخصصة للتواصل مع الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية منذ عام 1975، إلا أن فترة الثمانينات والتسعينيات شهدت تحسناً ملحوظاً في وصول المنظمات غير الحكومية إلى العديد من أجهزة الأمم المتحدة، والوكالات المتخصصة مثل صندوق التنمية البشرية والبنك الدولي، وتم تسهيل قنوات المشاركة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ووصل إجمالي عدد الإدارات الخاصة بالاتصال مع المنظمات غير الحكومية إلى حوالي 92 إدارة داخل منظومة الأمم المتحدة. كما تم تبني إجراءات جديدة في أنشطة منظمة التجارة العالمية عبر منح المنظمات غير الحكومية صفة مراقب في المؤتمرات الخاصة بالمنظمة، وعمل حوارات غير رسمية مع المنظمات غير الحكومية، وإتاحة المجال أمامها للوصول إلى وثائق المنظمة. كذلك شكلت المؤتمرات الدولية التي عقدتها الأمم المتحدة عاملاً مهماً في نمو المنظمات غير الحكومية. فبينما ازدادت هذه المؤتمرات من حيث العدد         نجد أنها وفرت عدداً كبيراً من الفرص الدولية للناشطين، وشجعت على تشكيل منظمات غير حكومية جديدة. فعلى سبيل المثال، وخلال الفترة من عام 1990-1996، تم عقد ثمانية قمم دولية كان لها دوراً في جذب مشاركة الآف من المنظمات غير الحكومية. وهذه المؤتمرات المختلفة التي تعقدها الأمم المتحدة، تسعى من خلالها بشكل مستمر إلى تشجيع المنظمات غير الحكومية ودعمها وتسهيل آليات المشاركة فيها وقنوات التواصل معها.

ثانيا: المعايير الدولية، والتنشئة الاجتماعية، وتوسع العلاقة بين الدولة والمجتمع على المستوى المحلي

يشير الباحث إلى أنّ هذه الزيادة في الفرص الدولية للمنظمات غير الحكومية عبر التمويل المالي والفرص السياسية لم تحدث في فراغ أيديولوجي. ومن هنا يحاول في هذا الجزء من الدراسة تسليط الضوء على الجانب الثاني من التفسير العلوي لنمو المنظمات غير الحكومية والذي ينطوي على عمليات الترويج المعياري للقيم التي قدمتها المنظمات الحكومية الدولية، والدول المانحة، وباقي الفاعلين في المجتمع الدولي. وما يقصده الباحث هنا هو أنّ النظام الدولي ومن خلال توسعه عبر الزمن لم يقدم حوافز مادية لنمو المنظمات غير الحكومية فحسب، بل إنه ساهم في انتشار هذه المنظمات من دول الغرب إلى باقي دول العالم من خلال ترويجه لقيم مشجعة لهذه المنظمات. فالدول في العالم النامي أجبرت خلال العقود الأخيرة – عبر عمليات التفاعل الاجتماعي على المستوى الدولي –  على تضمين وتعزيز نشاط المنظمات غير الحكومية على الصعيد الوطني، وبالتالي أعادت هذه التفاعلات تشكيل السياق السياسي المحلي للمنظمات غير الحكومية وساعدت على نموها من خلال توسيع هياكل الفرص السياسية. وسعى الباحث إلى الاستعانة بمنظورين مختلفين هما المنظور المؤسسي الاجتماعي والمنظور البنائي من حيث تأكيدهما على أهمية القيم والمعايير، بهدف تقديم تفسير لنمو المنظمات غير الحكومية خارج نطاق الدول الغربية، حيث أنّ هذين الاقترابين يصوران المنظمات غير الحكومية بأنها متغير مستقل لكونها إما حاملة للثقافة العالمية أو وكيل لعمليات التفاعل الاجتماعي.

ويؤكد الباحث هنا أنّ المنظمات غير الحكومية وعلى غرار الفرص التي حصلت عليها في الدعم المالي والفرص السياسية، فإنها حصلت على الاعتراف من العديد من الفاعلين الدوليين باعتبارها صوت الشعب ووسائل هامة للمبادرات الخاصة. وهذه النظرة ظهرت لدى الأيديولوجية الليبرالية عبر سياسات التنمية والحوكمة، والتي رأت في المنظمات غير الحكومية شريك مهم في تحقيق التنمية وتعزيز الحكم الرشيد، وأنّ وجودها ضروري للحكم على ديمقراطية الدولة، وعلى مسئوليتها، ومدى سماحها لمشاركة المواطنين. وهذه الأيديولوجية الليبرالية الجديدة الداعمة للمنظمات غير الحكومية والقائمة على مبادئ الديمقراطية الليبرالية والاقتصاد الليبرالي وضعت معايير دولية جديدة للدول. وتتمثل المعايير الأساسية لهذه الأيديولوجيا الجديدة في أسس هامة؛ وهي أنه لكي تكون الدولة ديمقراطية وذات نظام اقتصادي حر يتوجب وجود مجتمع مدني مزدهر يتضمن المنظمات غير الحكومية والمجموعات المدنية المنظمة. وهذه المعايير الجديدة المؤيدة للمنظمات غير الحكومية ظهرت في البداية في قطاع التنمية الدولية في الثمانينات، ومن ثم أضفي الطابع المؤسسي عليها في نظام الأمم المتحدة منذ التسعينيات. وقد ظهرت هذه المعايير في قطاع التنمية الدولية من جانب وكالات المعونة الغربية التي سعت إلى إيجاد بديل لنموذج “التنمية عبر الدولة” القائم على البنيان الفوقي بنموذج قائم على البيان التحتي والمشاركة المجتمعية. ومن هنا تم الاتجاه نحو المنظمات غير الحكومية واعتبارها البديل المناسب للحلول محل هذا النموذج، كونها تتمتع بالكفاءة والمرونة ولقربها من السكان. وهذه النظرة الجديدة عكست تحوّل بارادايمي Paradigm shift من نموذج التنمية عبر الدولة إلى نموذج التنمية عبر مشاركة السكان بسبب فشل الدول في تحقيق التنمية. وبالتالي تم الانتقال إلى التنمية القائمة على البينان التحتي، وتم الترويج للمنظمات غير الحكومية والنظر إليها باعتبارها الوسيلة المناسبة لتحقيق هذا النهج. وما يؤكد ذلك أنه وانطلاقا من التسعينيات، ظهر هذا التوجه لدى وكالات المعونة الغربية عبر تأكيدها المستمر على أهمية المجتمع المدني، وتفعيل دور المنظمات غير الحكومية، كونها تقدم الخدمات للففقراء واعتبارها قناة فعالة لملء الفراغ الذي ينتج عن فشل الدولة والسوق من جهة، ومن جهة أخرى باعتبارها وسيلة لتحقيق التحول الديمقراطي كونها تمثل عنصر هام في تفعيل المجتمع المدني. أخذت هذه النظرة الطابع المؤسسي عبر المؤتمرات الدولية المختلفة التي نظمتها الأمم المتحدة، حيث كانت الأمم المتحدة تؤكد بشكل مستمر على أهمية المنظمات غير الحكومية كشريك في معالجة القضايا العالمية المختلفة وكمدافع وممثل لأصوات الفقراء والمحرومين. ويؤكد الباحث هنا أنه بحلول التسعينيات تبنت وكالات المعونة الدولية والمنظمات الدولية معايير جديدة لصالح المنظمات غير الحكومية، وبدأت العمل بشكل نشط عبر التأكيد على ضرورة تشجيع، ومشاركة، ونمو المنظمات غير الحكومية في جميع أنحاء العالم. ومن هنا بدأت الحكومات المانحة الغربية والمنظمات الدولية تتوجه نحو حث دول العالم على تبني تشريعات وطنية من خلال اعتماد لوائح قانونية ومالية أكثر ليبرالية، وذلك بهدف إزالة العراقيل والقيود القانونية أمام نشاط المنظمات غير الحكومية. وفي هذا الإطار، ظهر خلال مرحلة التسعينيات توجه لتعديل السياسات التي تنظم القطاع غير الربحي، وهذا التوجه يمثل مثالا واضحاً للمعايير المشجعة للمنظمات غير الحكومية، كما يمثل حالة واضحة لسعي الدول الغربية والمنظمات الدولية إلى تعليم الحكومات في دول العالم النامي بالقوانين والتشريعات في دول الغرب، ومن جعلها أكثر ديمقراطية لدى الدول النامية. وهذا التوجه ظهر في سياسات البنك الدولي الذي فرض العديد من السياسات على الدول الآسيوية والأفريقية بتقليل التشريعات المقيدة للمنظمات غير الحكومية، ونتيجة لذلك بات البنك الدولي يقدم نفسه على أنه مستشار البلدان النامية بشأن التشريعات المتعلقة بالمنظمات غير الحكومية، وبالتالي وبحلول عام 1992 تم تأسيس المركز الدولي الدولي لتشريعات القطاع غير الربحي. الأمر الآخر الذي ينبغي التأكيد عليه هنا حول هذه المعايير تمثّل في إدراج المنظمات الدولية غير الحكومية والمنظمات غير الحكومية في العمليات الاستشارية الخاصة بالمعونة المتعددة الأطراف، وهو ما اتضح من خلال محاولة إقناع البلدان النامية بضرورة فتح المجال وإتاحة القنوات أمام المنظمات غير الحكومية للمشاركة في العمليات السياسية وعمليات صنع القرار. وبالتالي كانت هذه المعايير أحد جوانب عمليات التفاعل الاجتماعي التي سعت من خلالها الجهات الفاعلة الدولية إلى تعليم البلدان النامية التي تمر بمراحل انتقالية لكي تصبح دولاً أكثر انفتاحاً، وأن تنخرط وتتفاعل مع مجتمعاتها، وتفتح فضاءاتها السياسية أمام المنظمات غير الحكومية.

خلاصة الدراسة:

خلافا للتفسير القاعدي لنمو المنظمات غير الحكومية، سعت هذه الدراسة إلى تقديم إطار تحليلي هيكلي يركز على عمليات التفاعل العلوي عبر تحليل عوامل الزيادة في فرص التمويل، والآفاق  الجديدة والفرص السياسية، والمعايير المشجعة للمنظمات غير الحكومية التي روجت لها الدول الغربية والمنظمات الدولية، ومساهمتها في خلق بيئة سياسية ومادية ملائمة لنمو وانتشار المنظمات غير الحكومية. وعليه أضافت لنا هذه الدراسة بعداً آخر ومنظور مختلف لفهم نمو وانتشار المنظمات غير الحكوية، وذلك عبر انطلاقها من تحليل الهياكل العلوية في النظام الدولي، واستكشاف السياق الأوسع للعولمة السياسية، وعلاقته بنمو وانتشار المنظمات غير الحكومية بشكل عام، وهو ما اتضح عبر التفسير العلوي الذي قدمته الدراسة.  

مستــقبل العلاقات الدولية في ظل وجود فواعل جديدة

بقلم: د. نبيلة بن يوسف – جامعة مولود معمري

يعالج المقال موضوع الرهانات الكبرى و التحديات الجديدة التي سيواجهها حقل العلاقات الدولية على المدى المتوسط في اقرب التوقعات، بعد بوادر تؤكد سيطرة العولمة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية الثقافية. و إن كان مبعثا للخوف عند الكثير من المثقفين لاسيما في عالم الشق الجنوبي من الكرة الأرضية. إلاّ أن المؤشرات تدل على تغييرات كثيرة على أبواب الربع الأول من القرن الواحد و العشرين، انه مشهد الفواعل الجديدة في التفاعلات بين دول العالم. و قد حاولنا اختيار المنظمات العالمية غير الحكومية بعد بروزها أداورها في حالات السلم و الحرب ، و في مختلف المحافل حتى العالمية منها، فالي أي مدى يمكن توقع تصدرها المواقع الأولى في العلاقات بين الدول مستقبلا؟ و هل يمكن بعد تحقق فكرة المواطن العالمي التي نظر لها المفكرون و الباحثون ، أن تكون فاعلا جديدا من فواعل العلاقات الدولية؟ و هل ذلك يغير تصنيف الفواعل فتتقدم الجديدة عن التقليدية؟ و هل يمكن أن تزاح التقليدية ؟

لم يكن يتوقع الحاضرين و الفاعلين في صلح وستفاليا عام 1846 الذي أنهى نظاما إمبراطوريا و أقر بالدولة القومية صاحبة السيادة العليا، و الفاعلة الوحيدة في مسرح العلاقات الدولية، أنه سيأتي يوما يقاسم الممثل صاحب الدور البطولي البطولة مع غيره من أبطال فاعلين على خشبة المسرح الدولي. و لم يتوقع أصحاب النظرية الواقعية و الواقعية الجديدة في العلاقات الدولية أن الدولة القومية ستنزاح بشكل جزئي فاسحة المجال لتدخل منظمات عبر قومية تنشط في الساحة العالمية ، إلاّ أن أصحاب النظرية الليبرالية و الليبرالية الجديدة أكدوا على وجود فاعلين دوليين نشيطين يمكن أن يعوّل عليهم و يساعدون الدول في مهامهم العالمية متحديين النظريات و المناهج التقليدية في العلاقات الدولية.

لقد تنامت المنظمات العالمية عبر القومية بعد ما شاع مصطلح “الدولة المسافرة” و المقصود بها الانسحاب الكبير للدولة من أنشطتها التقليدية في شتى المجالات الحياتية منها الاقتصادية و الاجتماعية.

إنّ المنظمات العالمية غير الحكومية هي مبادرات خاصة بعيدة عن تأثير الحكومات الرسمية، استجابة إلى الرغبة في تنظيم الوضع من اجل ممارسة نشاط معين في الحياة العامة، و هي قائمة على التطوع الفردي الناجم عن الإرادة الواعية بالهدف، و هي لا تسعى لتحقيق ربح مادي. و تعددت التعاريف المقدمة لها بتعدد رؤية الفقهاء و نشاطاتها، يعرفها ” انطوان قزانو” على أنها : ” تجمع لأشخاص طبيعيين أو غير معنويين خواص من جنسيات مختلفة دولية بطابعها بوظائفها و بنشاطها و لا تهدف لتحقيق الربح و تخضع للقانون الداخلي للدولة التي يوجد فيها مقرها الرئيسي”1.

نستشف خصائص تميز هذا النوع من المنظمات كأنها تعتمد على مبادرات خاصة متبرعين و متطوعين، لا تسعى لتحقيق ربح مادي، لها أهداف سامية و نبيلة، لها صبغة دولية، بعيدة عن أن تكون حكومية، و لا تتمتع بشخصية قانونية دولية.

لم يظهر هذا النوع من المنظمات العالمية في سنوات قريبة و إنما ظهر منذ أواخر القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين، توسع نشاطها في الدول التابعة للقطب الرأسمالي

عترف رسميا بهذه المنظمات في هيئة الأمم المتحدة في نص المادة 71 منه، و تزايد عددها في هيئة الأمم المتحدة ذاتها في موقع استشاري في المجلس الاقتصادي و الاجتماعي إذ وصل إلى عدد 2010 في فبراير 2001، ثم ليصل إلى 2531 منظمة عام 2004. و هي في تنامي مستمر من حيث العدد و من حيث تدخلاتها في مواضيع مختلفة، فقد ساهمت في بلورة مفاهيم التنمية و تدخلت في مسائل أمنية، تشارك أوقات السلم و ترسل البعثات الميدانية، تعمل على الرصد و التوثيق لحقوق الإنسان و التأكد من الحقائق. أنواع البعثات الميدانية كبعثة تقصي الحقائق، للبحث في حالة السجناء السياسيين، حضور المؤتمرات الدولية مثل المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان من عام 1993 فينا سجل حضور أكثر من 800 منظمة غير حكومية. و أثناء النزاعات المسلحة تتدخل جهودها، كاللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تعد اكبر المنظمات في حالة النزاعات. كما تتعاون مع هيئة الأمم المتحدة و مع المنظمات الإقليمية .

فقد ساهمت في إلغاء بعض الأمور التي لم تأخذ الدول على إلغاءها محمل جد،كمساهمتها في إلغاء تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر. مما أخاف دول و أذعرها و أصبحت تخشى التقارير الصادرة عن مثل هذه المنظمات، بل لقد أصـبح تأثيرها أعمق لما تضغط على القاعدة الشعبية و على المسئولين على حد سواء. بعد أن تعرض كل ما لذيها من براهين و حجج عن طريق حملات إعلامية كبرى تدعو الشعب( أو الشعوب ) إلى النهوض لأجل تغيير الوضع السيئ، و تنظم مظاهرات لتغيير مواقف الحكومات و حثها على اتخاذ إجراءات فعّالة و جادة. صدق العالم السياسي “شولدن ويلن” لما قال في بداية النصف الأول القرن العشرين أن المنظمات العالمية غير الحكومية لاسيما بعدما امتدت تأثيراتها إلى خارج حدود الدولة ” لقد أصبحت حقيقة و جزء لا يتجزءا من واقع العلاقات الدولية”.

لقد أصبحت قريبة من المواطن أكثر من مؤسسات الدولة، أو ما عبر عنه الكاتب و المختص في العلاقات الدولية “جوزيف ناي” في مؤلفه القوة الناعمة بالقدرة على اجتذاب الأتباع. و لقد أثرت مسائل عدم الثقة و الصراع حول السلطة السياسية على المواطن و أضحى يبحث عن فواعل لا تطمح لبلوغ السلطة السياسية، بل طموحها إنساني عالمي.

و أتبتت براعتها في عديد من الظروف لاسيما أوقات الأزمات و النزاعات و الحروب.

كما قد تصل ضغوطها إلى المسئولين و ذلك عن طريق جولات مفاوضية دبلوماسية لإقناع الجهات المعنية، أو قد تستعمل ضغط المواطنين في حالات ترى فيها احتمال فشل المساعي الحميدة.

و في حالات أخرى تستعمل الوسيلة الإعلامية كطريقة للضغط ، فبعد قيام منظمة مراقبة حقوق الإنسان بإصدار تقريرها العالمي عام 2003 الذي تضمن نقدا قوميا للحكومة الأمريكية على طريقة إدارتها للحرب على الإرهاب ظهرت مقالات في 228 صحيفة و مجلة على امتداد أيام عشر حول المنظمة 2. فالوسيلة الإعلامية التقليدية أم الحديثة كلاها تعمل على مساعدة المنظمات في أعمالها و نشاطاتها إضافة إلى تقديمها للعالم و التعريف بها و قد تقودها للشهرة و من تم لتصدر المراكز الرسمية في حقل الفواعل الرسمية في العلاقات العالمية.

و قد أكد الدكتور “خالد خنفي” على وجود صدام بين الحكومات الرسمية و المنظمات العالمية غير الحكومية، و عليه يوجد صدام بين هذه الأخيرة و المنظمات الحكومية 3.

لقد عارضت منظمات عالمية غير حكومية البنتاغون الأمريكي في معارضته لتحريم إلغاء الألغام الأرضية و عملت جاهدة إلى أن أخرجت معاهدة للوجود بخصوص الموضوع عام 1997.

لقد اتبثت بجدارة قدرتها على معالجة عدد من المشاكل و الصعوبات خدمة للمواطن، و تعمل على تشجيع الجميع على المشاركة في الحياة السياسية و الثقافية قائمة على توعيتهم و تنشئتهم، و لقد طالت خدماتها المستوى الثقافي عن طريق أنشطتها المتعددة كإصدار المجلات و عقد المؤتمرات و الندوات العلمية لمختلف المواضيع الحياتية. و من اشهر المنظمات غير الحكومية نذكر الهلال الأحمر مقره بسويسرا.

يرجع نموها كفاعل دولي غير رسمي لامتلاكها الليونة في التعامل و التأثير في العلاقات الدولية و التأثيرات الوظيفية و البنيوية التي طالت النظام العالمي برمته و الدولة القومية في ظل العولمة المفروضة عليها، و أضحت بذلك مجبورة على التنازل عن بعض من أدوارها و سلطاتها للفاعلين الجدد . و قد قال يوما “جان فرانسوا بيار” مدير المركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا أن الدولة الوطنية ضحية العولمة 4.

و لا يمكن إغفال أمر حساس في موضوع المنظمات العالمية غير حكومية متعلق بإمكانية سيطرة مؤسسة أو أفراد معينين عليها أو حتى كسبها لصفتي الدولية و غير الحكومية؛ كمثال مؤسسة تنمية إفريقيا أسست من طرف الكونغرس الأمريكي و تستند تمويلاتها منه و هي مطالبة بالإعلان عن طريق صرف أموالها في إفريقيا و رغم ذلك تعتبر غير حكومية ! ناهيك عن الصفوة الجديدة من رجال الأعمال و الخبراء في مجالات الاتصالات و الإعلام و المثقفين عامة و رجال الدولة التي تبشر بحكومة عالمية كبرى تجعل الدولة تسافر حقا عن عالم العلاقات الدولية.

فكما تسعى المنظمات و المؤسسات التجارية و الاقتصادية إلى فرض نفسها على الصعيد الدولي عن طريق تكتلات اقتصادية تسعى منظمات في المجال السياسي على أن تكون غير حكومية و عالمية تضم مواطنين من كافة دول المعمورة بغض النظر عن اختلافاتهم السياسية و العرقية و الاثنية و أصولهم الجغرافية و الدينية.

سيصبح المواطن العالمي ( le citoyen universel ) فاعلا يحسب له ألف حساب، و يزداد الاهتمام به من كثرة تدخلاته المستمرة محاولة منه إصلاح أوضاع مجتمعه الصغير الدولة و أوضاع مجتمعه الأكبر العالم، بعدما أصبح العالم كقرية صغيرة بعد الثورة التكنولوجية و التقنية و المعلوماتية التي ساهمت في تطوير و ترقية مختلف وسائل الإعلام المسموعة منها و المكتوبة و المرئية – قنوات فضائية -, و وسيلة الانترنت التي جمعت بين كل أنواع وسائل الإعلام. لقد غذى الانترنت جزءا من العالم الافتراضي لا يمكن تجاهله، و قد قالها مستشار للرئيس أمريكي قبل سبعة عشر عاما أن الانترنت سيحقق للعالم ما عجز عن تحقيقه في مجال الديمقراطية ذلك لأنه سيحقق الديمقراطية الكونية[i] .

تساهم وسائل الإعلام لاسيما الحديثة منها (الصحافة الالكترونية)، أكثر من أي وقت مضى في تربية المواطن و تنشئته بالتركيز على القيم المشتركة بين شعوب العالم، و تثقيفه بالقضايا العالمية.

و قد ساهمت الظروف السياسية الدولية تعميم فكرة العولمة و محاولة تجسيدها واقعيا بعد سيطرة القطب الأوحد بفكره الاقتصادي – الليبرالي، و فكره السياسي الديمقراطي على العالم، و قد تصاعد في الوقت الحاضر الاهتمام بفكرة المواطن العالمي و عندما يذكر هذا المفهوم يتباذر إلى الذهن “جعل المواطن الواحد على مستوى عالمي؛ أي نقله من الحيز الجغرافي المحدود (الدولة الواحدة) إلى آفاق اللامحدود ؛أي العالم كله”، فيكون إطار تفاعله و تبادله مع الآخرين على اختلاف المستويات الاقتصادية و الثقافية و السياسية متجاوزا الحدود القومية، مشكّلا سمات بدور التحوّل عن نمط المواطن في الدولة إلى المواطن العابر للقوميات، بالمعنى البسيط إنها علاقة المواطن بالعالم على شكل كتلة واحدة بكافة جوانبها منها السياسية و الأخلاقية و البيئية…، و هو بذلك مرتبط بمفهوم العولمة، التي عززتها عوامل كثيرة كالتغييرات الاجتماعية- الاقتصادية، و السلطة السياسية فوق القطرية و المنظمات العالمية الكبرى غير الحكومية و المهتمة بمختلف مجالات الحياة.

و لن تعد مسؤوليته محصورة و مرتبطة بما يحدث في بلده، بل تتسع و تشمل ارتباطه بالعالم متجاوزة الدولة و الوطن و الحدود 5 [ii] .

الفرص التي تحققها فكرة “المواطن العالمي” هي سهولة الحركة الفكرية الحقوقية الإنسانية في إطار الدولة العالمية (الفاعل الدولي الأكبر المتوّقع) بعد تحوّل الدول إلى مقاطعات داخل نظام كوني متفاعل له نظام و قواعد، و تنصهر الدول تحت لواء الكونية.

رغم تحفظ الدول الانضمام إلى الدولة الكونية خوفا من استلاب سيادتها إلاّ أنها ستجد نفسها تسير في هذا الاتجاه كما يجد المواطن نفسه يسير في اتجاه العالمية، و ذلك من خلال تأثره السريع بما يجري في العالم و تفاعله، و من تم تأثيره على الدول و الحكومات، فقدرته مقدر لها أن تتعاظم لاسيما بعد أحداث تونس و مصر و ليبيا و عدد من دول المنطقة العربية التي قلبت العالم رأسا على عقب، و تعاظمها يزيد من احتمال نشأة “دولة عالمية “، و هذا لا يعن اندثار الدولة القومية، و لا يعن أيضا الخضوع التام لسلطة دولة عالمية. و إن ستكون لدى عديد من الدول فكرة الدولة العالمية في حد ذاتها صدمة تضرب شدتها كالزلزال، مما قد يؤدي إلى تفكيكها أو تفتيتها إن لم تتقبل الوضع الجديد، و تفضل الاعتزال عندها قد تتعرض لضغوط خارجية مساندة للضغوط الداخلية من طرف المؤسسات و المنظمات العالمية و المواطنين لإطلاق الحريات مجبورة، تنادي جميعها بالتحوّلات العالمية على جميع الأصعدة مع احترام جميع الثقافات و الديانات (الحضارات) لاسيما على الصعيد السياسي في مجالات الانفتاح.

من المرجح أنه سيتداول في الأدبيات السياسية، و إن كان قد نظر في أمره عدد من المفكرين الأوائل في الفكر السياسي القديم و الحديث، كالفكر السياسي القديم الذي عرف عند الحضارات الشرقية القديمة و منها الفكر البوذي الذي تأمل نشر أفكاره وصولا لتحقيق الحكم المثالي و هو الملك الكوني و قد اتخذها ملوك من الهند القديمة فيما بعد كمبرر للسيطرة على عدد من المناطق الآسيوية، مسيطرين على مماليك مجاورة تحت شعار : “تحقيق إرادة بوذا على الأرض”، لتحقيق المجتمع البشري الكوني الأسعد.

و من اشهر المنظرين للفكرة على الإطلاق في العصور الماضية هم أصحاب المدرسة الرواقية stoicisinne و على رأسهم المؤسس ” زينون الاكيتومي” بعد أفول المدينة – الدولة في اليونان القديمة ، دعى أصحابها إلى عدم جعل حدود بين مدينة و أخرى، إنها كانت الدعوة للانفتاح تشاؤما من فكرة الانغلاق و المدينة الدولة المصغرّة، و جعل كل فرد فيها مواطن دون النظر لأصوله، عكس ما كان قائما في اليونان و دولة المدينة الأثينية خصوصا التي تنسب صفة المواطنة للأثيني المولد و الأصل (من والدين أثينيين). فكرة لاقت أذانا صاغية و قبولا تاما من طرف الإمبراطور “الاسكندر المقدوني” الملقب بالكبير، الذي راح يؤسس إمبراطوريته الكبرى من 334 إلى 323 قبل الميلاد، و التي أطلق عليها بالمدينة العالمية يصبوا من خلالها على جعل المواطن عالمي التي اطلق عليها آنذاك كوسموبوليتاني cosmopolitain، يتمتع كل مواطن أينما وجد بالمساواة و خضوع الجميع أمام القانون حفاظا على الأمن، و قبول فكرة استقلالية الفرد عن الجماعة. إنها فكرة الكوسموبوليتانية cosmopolitisme ،

و تواصلت الفكرة مع مجيء العهد المسيحي الأول لما تلاقت تعاليمه مع أفكار المدرسة الرواقية كالدعوة للمساواة بين البشر، فأراد أباطرة الإمبراطورية الرومانية أن يحافظوا على فكرة المواطن العالمي بفكرة أن الوعي و حب الوطن يعود للعامل الديني.

و تتالت الإشارة إليها في كتابات “جان جاك روسو” و “جون ستيوارت ميل”، هذا الأخير الذي أشار إلى ضرورة اشتراك المواطنين جميعا في أوقات الأزمات الكبرى في حراك عالمي دليل على ضرورة تجسد فكرة المواطن العالمي لوجود قواسم مشتركة بين الإنسانية قاطبة. فـفي خضم الاختلافات و الانقسامات التي يعرفها عالمنا المعاصر، فإنه يشهد ذات الوقت تزايد للقواسم المشتركة بين البشر لاسيما حول الأضرار التي يتعرضون لها من حروب و أزمات كبرى قد تكون اقتصادية أو بيئية أو سياسية، شأن الحرب على العراق أين اجتمعت حشود غفيرة من المواطنين في معظم دول العالم رافضة غزو العراق عام 2003، و مسيرات شعبية عربية مؤيدة لانتفاضات شعبية تقوم بها شعوب تونس و مصر و ليبيا، إنها بوادر توحي ببداية تشكل المواطن العالمي بل و فرض رأييه على قوى و فواعل كبرى تقليدية في الساحة السياسية العالمية ممهدا الطريق لتأسيس حضور عالمي مستقبلي.

لعل عنصر عدم الثقة بين الحاكم و المحكوم أو الحذر و الارتياب الذي أصبح لا يفارق المواطنين يجعلهم يصبون إلى تكوين تنظيمات كبرى على مستوى عالمي تهتم بالشؤون الكبرى لاسيما تلك المتعلقة بمسائل الأمن بكل أشكاله منها الأمن البيئي و الفكري،الاجتماعي و الاقتصادي، بل الإنساني عامة .

لقد تم إنشاء منظمة خاصة بالمواطن العالمي بتاريخ 23 ديسمبر 2009 على الموقع الالكتروني التالي :

http://www.globalcitizencorps.org/ar/user/12836/edit

بمبادرة من الأعضاء المؤسسين لمنظمة الإنسان العالمي في جمهورية أوكرانيا الاتحادية ليكون بيت لجميع الحالمين بعالم واحد يضمنا تحت رايته بعدل و رحمة وحرية وليكون مكانا لجمع كل الأفكار الإنسانية لتصبح مرجعا ودستور. و اتخذت جمهورية أوكرانيا مقرا لها. و تعمل على تشكيل فروع لها في كافة دول العالم كطريقة أولى لبداية نشر فكرة المواطن العالمي أو الكوني. و هي من أوائل المنظمات غير الحكومية الافتراضية لإسماع الأصوات العالمية. و عن مساعي المنظمة جاء ما يلي:

” تسعى منظمة المواطن العالمي إلى أن يكون عالمنا برمته تحت قيادة عالمية واحدة بغض النظر عن توجه هذه القيادة أو مذهبها … و يعود موقفنا هذا لرؤيتنا الواضحة من ضرورة جمع سياسي العالم كلهم تحت قبة واحدة تجعهم إن كانت بيضاء أم حمراء أم سوداء لنستطيع أن نعرف عدونا من صديقنا ونحدد المسؤولية بتحديدنا لقيادة العالم. وعليه فإن منظمتنا ليست منظمة إنسانية بمعنى أنها تنكر النزعة الشريرة الموجودة في الإنسان وتحاول محاربتها – رغم أن هذا من الأهداف النبيلة جدا – وإنما هي منظمة تطالب بتوحيد العالم كله تحت راية واحدة تجمعه…. لأننا نرى بالوحدة العالمية السبيل الوحيد للوصول إلى حقوقنا المشروعة في الحياة حيث يصبح المسئول عن ألامنا وأمالنا معروف لنا وللجميع فيسهل بذلك حسابه ولا نضيع نحن بين حيصهم و بيصهم وعندما يلقي كل واحد منهم المسؤولية على الأخر” 6.

و من المتوقع أن انتشار استعمال الوسائط الالكترونية سيروج كثيرا لفكرة المواطن العالمي و الذي سيصبح فاعلا دوليا نشيطا سواء تكتل تحت لواء منظمة عالمية غير حكومية افتراضية أم غير افتراضية، ليضيف نوعا و نمطا جديدا للحياة السياسية عامة و السياسة الدولية خاصة .

إذا سارت الأوضاع نحو الجاري استراتيجيا اقتصاديا و سياسيا فسوف نشهد منظمات غير حكومية عالمية و مواطنين عالميين كفاعلين رئيسيين في مسرح العلاقات العالمية (و ليس الدولية)، و تصبح من القوى الحاكمة للعالم بعد فشل الدول في معالجة قضايا و مسائل دولية كبرى في المسارح الدولية كهيئة الأمم المتحدة و لم تفصل فيها فصلا قطعيا ليومنا هذا، أو لم تصدر عقوبات صارمة للمخالفين للقوانين الدولية. فعلى الدول أن تسعى لإعادة الابتكار في ممارسة الأدوار و المهمات في عصر العولمة و الحوكمة العالمية، و هذا ما جاء في كتاب للمؤلف “علي حرب” الصادر عام 2005 (7).

إنه عصر السباق الرهيب بين الفواعل الجديدة لإثبات القدرات و الموارد ، القدرة على المواصلة، و الكفاءة و الفعالية و بالتالي الحكامة الرشيدة لتفرض نفسها في عصر التنافسية ، و هي القاعدة الأساسية التي قامت عليها الليبرالية – الديمقراطية . و إثباتها معايير الفاعل الدولي ستحظى باللقب المنتظر “الفاعل العالمي الرسمي”.

.

التوسع العمراني في تشاد … ما بين ضروريات التطور وآليات التنفيذ

ndjamena
بقلم/ سعيد طه

ارتبطت عملية التوسع العمراني تاريخياً بالزيادة السكانية وتوسع المدن من خلال عمليات البناء والتشييد العمراني وازدياد عمليات الهجرة من الأرياف إلى المدن بحيث أصبحت ظاهرة التوسع العمراني أحد أهم المشاكل التي تواجهها العديد من الدول وباتت تشكل أحد التحديات الرئيسية التي تواجه العديد من المجتمعات في الوقت الحالي. وقد ساهم هذا الأمر في أن تحظى عملية التوسع العمراني باهتمام واسع ليس فقط من قبل المتخصصين والباحثين في مجال التخطيط العمراني والهندسة، بل من قبل الباحثين في مجالات أخرى مثل الخدمة الاجتماعية والاقتصاد والعلوم السياسية … !

لقد أصبح التعامل مع عملية التوسع العمراني لأي مدينة في العالم مطلباً ضرورياً من أجل مواكبة الوتيرة المتسارعة لعمليات التحديث والتمدن في عصر العولمة وثورة المعلومات إضافة إلى أنه مع ازدياد أعداد السكان وتداخل وتعدد أنماط التخطيط العمراني واتساع رقعة مساحة الأحياء السكنية فإن التفكير الجاد في وضع خطط لتنظيم عملية التوسع العمراني يعد بمثابة مسألة هامة لابد من أخذها بعين الاعتبار.

وتشير الأدبيات التي تناولت ظاهرة التوسع العمراني إلى أن هذه الظاهرة تأخذ شكلين هما التوسع العمراني الأفقي والتوسع العمراني العمودي. فقد يكون التوسع العمراني العمودي من خلال تشييد العمارات والمجمعات والأبراج التجارية والسكنية حيث تتمثل أبرز التجارب الناجحة لمثل هذا النوع في تجربة كل من سنغافورة وهونغ كونغ. كما يكون التوسع العمراني الأفقي من خلال تشييد المباني والمساكن على امتداد أفقي يتسع كلما ازدادت عمليات البناء حيث تعتبر تجربة الإمارات العربية المتحدة من التجارب الناجحة لهذا النوع.

لقد بدأت معالم هذا التوسع العمراني تظهر في تشاد خلال السنوات الأخيرة خاصة في مدينة أنجمينا التي بدأت تشهد عمليات توسع عمراني ملحوظ من خلال عمليات البناء والتشييد في الأحياء السكنية المطلة على ضواحي العاصمة التي شهدت توسعاً ملحوظاً خلال السنوات العشر الأخيرة. إضافة إلى أن الدولة بدأت تواجه هذا التوسع العمراني من خلال إقامة مشاريع للبنى التحتية مثل بناء الطرق ورصفها …. الخ

وفي هذا الإطار يمكن طرح العديد من التساؤلات حول عملية التوسع العمراني في تشاد وطبيعة الآلية التي يتم من خلالها تنظيم هذه العملية وإقامة المشاريع الهادفة إلى التغلب على الآثار السلبية الناتجة عن ذلك.

إن الحديث عن عملية التوسع العمراني في تشاد يحتاج ليس فقط إلى مقالات قصيرة بل إلى دراسات وأبحاث تقيم هذه العملية من كافة النواحي الفنية والاقتصادية والاجتماعية …! وحتى نكون منصفين تجاه ما نشهده اليوم من عمليات توسع داخل مدينة أنجمينا على وجه الخصوص، فإن ما تشهده البلاد في الوقت الحالي من تغير طفيف في عمليات البناء والتشييد هو بمثابة خطوة ضرورية لعل وعسى أن تكون توجهاً يلبي حاجات ومتطلبات المجتمع التشادي التواق إلى مزيد من الإصلاح والتطور … وحتى نكون عمليين ولا ننجر وراء النزعات العاطفية فإنه يجب مواجهة الأمر الواقع المتمثل في حقيقة أن عملية التوسع العمراني في مدينة أنجمينا في الوقت الحالي لا تلبي الطموحات المتوقعة وتتسم بالعشوائية وعدم التنظيم … وبالتالي فإنها تفرض على الجهات الرسمية البحث عن حلول ناجحة لهذه العملية.

إننا اليوم بحاجة ماسة إلى أن تكون خطط التوسع العمراني في تشاد مواكبة لتقلبات العصر الحالي المتسارعة وأن يتم الشروع في إستغلال المساحات الشاسعة من الأراضي في البلاد والتي تعتبر أراضي خصبة يمكن أن تشيد فيها مشاريع حديثة تلبي تطلعات الشعب وأن يكون التوسع العمراني على امتداد جغرافي يربط بين مختلف المناطق في تشاد. إن البلاد تحتاج إلى آليات فعالة وخبراء متخصصين في هذا المجال كما أننا بحاجة إلى الاستعانة بالخبرات السابقة للدول التي نجحت في إقامة مشاريع عمرانية ضخمة وبإشراف كامل من الدولة التي يجب عليها وضع سياسات ناجحة تأخذ في الحسبان الجانب الفني والاقتصادي والاجتماعي. فليس من المعقول أن يقوم المواطنين وبمواردهم المالية البسيطة بتشييد المباني السكنية دون أن تقدم لهم الجهات الرسمية الدعم اللازم في ظل الغلاء الفاحش في أسعار مواد البناء وصعوبة الحصول عليها …!

وبالتالي لابد من وضع سياسات صارمة تجاه عملية التوسع العمراني حتى لا يكون هذا التوسع عشوائياً وعلى حساب التمدن في تشاد. وفي هذا الإطار يمكن تسليط الضوء على أبرز الملاحظات التي نتمنى من الجهات الرسمية أخذها بعين الاعتبار من أجل ضمان نجاح وإقامة توسع عمراني ومجتمعات حضرية في تشاد. وتتمثل أولى الملاحظات في أنه يجب عدم حصر عملية التوسع العمراني في مدينة أنجمينا وحدها وذلك تفادياً لعمليات هجرة ونزوح للسكان من القرى والمدن الأخرى التي قد ينتج عنها تكدس السكان في منطقة واحدة خاصة وأن مدينة أنجمينا أصبحت أكبر المدن ذات الكثافة السكانية العالية.

وتتمثل الملاحظة الثانية في أنه يجب ربط المدن التشادية ببعضها البعض من خلال إقامة مشاريع اقتصادية أو تعليمية أو صناعية خاصة في المدن المطلة على المناطق الجنوبية والشرقية والشمالية في البلاد حيث أن مثل هذه الحلول قد تساهم في التخفيف من عمليات التكدس السكاني في مدينة واحدة وتساهم كذلك في عملية توسع المدن التشادية الأخرى.

كما تتمثل الملاحظة الثالثة في أنه يجب أن تواكب عملية توسع المدن التشادية مشاريع للبنى التحتية بهدف ربط شبكة المواصلات بين هذه المدن وكذلك إقامة مشاريع التنمية بهدف تنمية المجتمعات التي تعيش في هذه المدن وتحسين الخدمات وتوفير فرص عمل ملائمة بهدف تشجيع السكان على الاستيطان في هذه المناطق.

وخلاصة القول فإن ما نفتقده اليوم في بلادنا تشاد هو عمليات التوسع العمراني – الذكي وليس العشوائي- المبني على دراسات معمقة تضع حلولاً ناجحة من أجل أن تنال تشاد مكانتها الطبيعة بين سائر الأمم. وقد تتفق أو تتعارض الآراء حول الآلية المناسبة لذلك إلا أننا لن نختلف في أننا بحاجة ماسة إلى آليات فعالة تلبي طموحات وتطلعات الشعب وتواكب متطلبات العصر … ومن باب إنساب الفضل لأهله فإن الأفكار الواردة في هذا المقال أعيدت صياغتها وأضيفت إليها أفكارا جديدة بناءً على الآراء الأولية التي قدمها لي أحد الزملاء الأفاضل أثناء الحديث معه عن التجارب الناجحة لعملية التوسع العمراني في الدول العربية.

 

هل سيترك أوباما إيران تشعل فتيل الحرب العالمية الثالثة؟

2013-634967014020702819-70

مجلة السياسة الدولية:

عرض: طارق راشد عليان- باحث علوم سياسية

من الممكن أن تكون بين يدي إيران قنبلتها الذرية الأولى في غضون ما بين أربعة وستة أشهر من اتخاذ نظامها الحاكم قرارًا ببناء قنبلة من هذا النوع، وذلك بحسب تقييم أصدره مؤخرا عاموس يادلين، مدير الاستخبارات العسكرية بجيش الدفاع الإسرائيلي سابقًا. وقبل ذلك، أعلنت طهران أنها سوف تستخدم الآن ما يصل إلى ثلاثة آلاف جهاز طرد مركزي من نوع  IR-2M، والتي يمكنها تخصيب اليورانيوم بسرعة تبلغ نحو أربعة أضعاف معدل التخصيب الحالي لدى إيران.

ويصف فريد كاجان، مدير مشروع التهديدات الحرجة في معهد المشروع الأمريكي، تركيب أجهزة الطرد المركزي من نوع IR-2M بأنه “يقوض واحدًا من الافتراضات الجوهرية للسياسة الأمريكية الحالية” بأن الاستخبارات الأمريكية لم تستطع أن تتبين عبور إيران عتبة أساسية، وتطويرها مادة نووية من الدرجة المستخدمة في صنع الأسلحة. فأجهزة الطرد المركزي من نوع  IR-2M، بما تتميز به من سرعة أكبر كثيرًا، قادرة على أن تمكّن إيران من إنتاج ما يكفي من اليورانيوم عالي التخصيب لصنع سلاح نووي واحد في غضون نحو أسبوع، وهي المدة الزمنية التي قد يغيبها مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن المنشآت النووية الإيرانية بين زيارة والتي تليها. فماذا عن أسباب تحدى إيران المجتمع الدولي حاليًا بهذه الجرأة، وعلى نحو يترك حتى وقتًا أقل للتصدي لطموحاتها النووية؟

دوافع إيران للإسراع بقنبلتها النووية

يقول نوا بيك، في تحليل نشره موقع “The Commentator”، هناك توليفة من الأحداث تدفع إيران للإسراع نحو صنع الأسلحة النووية. ففريق الأمن القومي الأمريكي يمر الآن بأشد حالات انعدام الفعالية. وجاري سامور – منسق البيت الأبيض لقضايا الحد من التسلح وأسلحة الدمار الشامل والإرهاب، والعضو الأساسي في فريق الرئيس باراك أوباما، المعني بالتفاوض مع إيران – في طريقه إلى الرحيل.

وأضاف التحليل: “كما أن جون كيري يقضي الآن أيامه الأولى في منصبه كوزير الخارجية، وتشاك هاجل – المرشح المفضل لدى إيران لتولي وزارة الدفاع بفضل أفكاره المعادية لإسرائيل والمؤيدة لطهران – يتمتع بحظوظ وافرة في أن يجري تأكيد تعيينه في منصبه، انطلاقًا من السياسة الحزبية، وذلك على الرغم من الصورة المحرجة التي بدا عليها بثرثرته الجوفاء، وعدم صلاحيته لتولي المنصب خلال جلسات الاستماع التي عقدت الأسبوع الماضي في مجلس الشيوخ لتأكيد تعيينه، على حد توصيف الكاتب.

وزاد بيك بقوله: “وبقية العالم مشغول بأمر اقتصادات منطقة اليورو، والخلاف المتنامي بين اليابان والصين، والنظام الحاكم الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته في كوريا الشمالية، والانهيار الداخلي الذي تتعرض له مصر، بعد أن تبين أن “الربيع العربي” أقل نضارة بكثير، حالما انقض عليه الإسلاميون المصريون”، على حد قول الكاتب. وهناك سوريا، ومأزق القوى العظمى في مواجهة تصاعد معدلات القتل يوميا. طبعًا حتى لو لم تكن القوى العالمية الأخرى منشغلة جدًا، فهي إما تفتقر إلى الحماس، وإما لا مصلحة لها في مواجهة إيران على نحو يمكنه فعلًا أن يوقف برنامجها النووي، بحسب ما أفاد بيك.

ويرى الكاتب أن إسرائيل لا تزال هي التي يمكنها أن تحاول التصدي للتهديد العالمي الذي يشكله بلد يفوقها في الحجم نحو 80 مرة. لكن هنا، ومن جديد، يتآمر الوقت – مقرونًا بجميع الظروف الأخرى المذكورة – ليصب في صالح سياسة حافة الهاوية الإيرانية. وعلى الرغم من التعقيد اللوجيستي، والمخاطر التي تنطوي عليها محاولة إسرائيل توجيه ضربة أحادية الجانب ضد أهداف إيران النووية الخاضعة للحماية والمتناثرة جغرافيًا، فإن القيام بذلك في الظروف الجوية الشتوية لن يزيد هذا التحدي إلا صعوبة. وبمقدور إسرائيل مع ذلك أن تحاول تحييد التهديد بغواصاتها وقذائفها الباليستية التي تُطلق من السطح. لكن نظرًا لأن هذه الاستراتيجية- من دون ضربات جوية – أقل احتمالًا حتى في نجاحها، فإن عواقبها يمكن أن تكون حتى أكثر فوضوية، بحسب الكاتب.

الصفقة الأمريكية تجاه النووي الإيراني

لا أحد طبعا يريد الحرب، ومن الأفضل أن نحل صراعاتنا سلميًا، هكذا تمضي المقولة الدارجة. لذا، فالنهج المفضل هو حل الأزمة النووية الإيرانية بالمحادثات الدبلوماسية، لكن هذا النهج جُرّب لمدة تناهز عقدًا من الزمان دون نتائج. ومع اقتراب إيران من خط النهاية النووي، فإنها تفضل الحديث عن المحادثات، بحيث تضيف تأخيرات في المواعيد الزمنية، والعديد من الشروط المسبقة والمناقشات بشأن مكان الانعقاد لكسب المزيد من الوقت. بل إن قيام إيران الآن باستخدام أجهزة الطرد المركزي المتقدمة من نوع IR-2M يترك وقتًا أقل لـ”التحدّث”، وفقًا لتحليلThe Commentator.

ومن وجهة نظر الكاتب، فإن التصريحات التي تفتقر إلى القوة، وتتحدث عن الشعور بخيبة الأمل، والإدانة من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لم تُجْد نفعًا في وقف مسار الحرب االذي تسير فيه إيران مثلما هي لم تجد نفعًا في وقف المذابح اليومية التي يرتكبها الأسد. إن تهديدًا حقيقيًا وجديرًا بالثقة باستخدام القوة الساحقة ضد إيران هو وحده الذي يستطيع أن يمنع بشكل سلمي أية كارثة محتملة، والولايات المتحدة هي وحدها القادرة على توجيه مثل هذا التهديد، بحسب نوا بيك .

ووفقًا للكاتب، فإن الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة التي يمكنها أن توجد حلًا سلميًا بأن تعرض على إيران صفقة ضخمة تشتمل على ضمانات أمنية، وحوافز اقتصادية سخية. فإذا كان النظام الإيراني مسالمًا (أو عقلانيًا)، فينبغي عليه حينئذ أن يسارع بقبول مثل هذه الصفقة. لكن إذا رفضت إيران عرضًا أمريكيًا تاريخيًا، فسيكون من الواضح أن نظامها الحاكم لديه أهداف نووية عسكرية يجب وقفها على أيدي القوة الوحيدة التي يمكنها أن تفعل ذلك بسرعة وحسم، ودون التمخض عن حرب نووية تستنزف المنطقة كلها، وتخلف الملايين من القتلى.

ربما يفضل أوباما الانعزالية، لكن لنا في أحداث الحادي عشر من سبتمبر تذكرة مؤلمة بأن التهديدات الوخيمة يمكنها أن تصل إلينا بسهولة في عالمنا المتشابك الصغير هذا، برأي الكاتب. وذهب نوا بيك إلى القول إن الولايات المتحدة فشلت في اتخاذ زمام المبادرة بشأن سوريا، مما مهد الطريق أمام الجيل التالي من الجهاديين المعادين للولايات المتحدة، كي يرسخ جذوره هناك. إن إيكال مهمة التصدي لأكبر تهديد أمني في العالم لإسرائيل الصغرى هو الصورة الأكثر تهورًا من المقامرة عالية المخاطر.

وإذا اضطُر الإسرائيليون إلى التصرف للحيلولة دون احتمال تعرضهم لحرب نووية على أيدي حكومة دينية إقليمية راديكالية، بحسب وصف الكاتب، فالأثر الذي سيترتب على الولايات المتحدة – بداية من الارتفاع الحاد في أسعار النفط، وانتهاء بالعواقب الإقليمية والأمنية- سوف يجعل أوباما يتوق إلى الأيام التي كان بمقدوره فيها أن يواجه القضية بتكلفة أقل قطعًا.

والحقيقة، يقول الكاتب، إنه يجب على الانعزاليين أن يدركوا أنه لا يوجد مجال للتواري من هذه المشكلة. فالاختيار المتاح أمام أوباما هو الاختيار بين أن يتصدى للتهديد النووي الإيراني قبل أن يتحول بسرعة إلى ما لا تحمد عقباه، وأن يصلي داعيًا أن تتجنب الولايات المتحدة بطريقة أو بأخرى تأثرها، بعد أن تضطر إسرائيل إلى إحباط تهديد يواجه وجودها بأفضل ما يمكنها فعله.

فهل سينتظر أوباما ليرى ما إذا كانت إيران متهورة بدرجة كافية لإجبار إسرائيل على التصرف وشن حرب عالمية ثالثة، أم أنه سيتولى زمام القيادة؟ الوقت قصير فيما تقترب الحرب المدمرة، بحسب الكاتب.