ملخص الدراسة:
لطالما كانت منطقة الساحل الإفريقي تعد واحدة من المناطق المهمّشة، استراتيجياً، واقتصادياً وسياسياً طيلة حقبة الحرب الباردة، إلا أنّ التطورات التي شهدتها المنطقة خلال العقد الأخير جعلتها تكتسب قيمة إستراتيجية دولية، وأعطتها مكانة هامة في التوازنات والصراعات الدولية التي تشهدها القارة الأفريقية. وبذلك أصبحت المنطقة تحظى بأهمية كبرى ضمن أولويات واهتمامات القوى الدولية التقليدية في المنطقة مثل فرنسا، والقوى الكبرى خاصة الولايات المتحدة الأمريكية والصين.
إنّ موضوع هذه الدراسة، وهو التنافس الذي تشهده منطقة الساحل الأفریقي، یمثّل محاولة لمعرفة موقع هذه المنطقة في إطار التنافس الغربي، وبالتحديد التنافس الفرنسي- الأمریكي على المنطقة، حيث تم اكتشاف مؤشرات نفطية هامة إذ تصدر تشاد ما يقارب 200 ألف برميل يومياً، في حين أعطت عمليات الحفر في صحراء مالي نتائج مشجعة، كما أنّ النيجر تتميز بكونها مصدر رئيسي لمعادن اليورانيوم، وهو ما قد يجعل المنطقة – حسب التقارير الإستراتيجية الأمريكية – تتحول في المدى القريب إلى منافس جديد للدول النفطية الخليجية. ومن جهة أخرى، شهدت منطقة الساحل الأفريقي تطورات أمنية وسياسية وأزمات داخلية تجسّدت في تفشي ظواهر خطيرة كالجريمة المنظمة، وانتشار الجماعات الإرهابية، والعجز الوظيفي والفشل البنيوي لدول المنطقة، مما يشكل تهديداً ليس فقط على أمن المنطقة وإنما من الممكن أن يصبح بمثابة تهديد فعلي للأمن الدولي.
انطلاقاً من الإطار النظري لأدبيات “الصراع” في العلاقات الدولية، تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على منطقة الساحل الأفريقي في ضوء التوازنات والصراعات الدولية التي باتت تشهدها القارة الأفريقية خلال السنوات الأخيرة، وتسعى الدراسة إلى البحث في آليات التنافس بين القوى الدولية الفرنسية والأمريكية، وتحديد منطلقات دوافع اهتمام كل منهما بمنطقة الساحل الأفريقي. وعليه تسعى الدراسة إلى الإجابة عن التساؤلات التالية:
ما أهمية منطقة الساحل الأفريقي في ظلّ ما يحدث من توازنات وصراعات دولية على القارة الأفريقية؟ وما هي دوافع وآليات التنافس بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية على المنطقة؟ وما هي انعكاسات هذا التنافس على دول الساحل الأفريقي، وبشكل خاص على تشاد؟
المبحث الأول: منطقة الساحل الأفريقي: مقاربة جيو – سياسية
المطلب الأول: الأهمية الإستراتيجية لمنطقة الساحل الأفريقي
أولا: الأوضاع في منطقة الساحل الأفريقي
يقصد بكلمة الساحل “الشاطئ” أو المنطقة المحاذیة للشاطئ. أما بالنسبة لمصطلح “الساحل الأفریقي” فيقصد به في هذه الدراسة المنطقة المحاذیة للصحراء الأفریقیة، حیث تقع بین شمال أفریقیا (المغرب العربي)، وأفریقیا جنوب الصحراء والمعروفة بأفریقیا السوداء. (بوبصلة، 2012)
ومصطلح الساحل الإفريقي هي تسمية قديمة جدا أطلقها الفاتحون المسلمون على المنطقة الجغرافية التي تمتد من الحافة الجنوبية للصحراء الكبرى إلى منطقة الغابات الإفريقية. (مبروك، 2015)
وتتميز منطقة الساحل الأفریقي بمجموعة من الممیزات التي جعلتھا تحتل مكانة جيوسياسية هامة في مشهد السياسة الدولية، حيث أصبحت المنطقة ساحة للتنافس الدولي – خلال السنوات الأخيرة – بين القوى الكبرى. ومن هنا، سنحاول أن نسلّط الضوء على موقع هذه المنطقة ضمن الخريطة الجيوبولوتيكية للقارة الأفريقية من خلال تسليط الضوء على الأوضاع في المنطقة.
- العامل الجغرافي
إنّ كبر مساحة الساحل الأفریقي جعلت عملیة تحدیده وتعریفه تختلف باختلاف نوعیة واھتمام الدارسین للمنطقة، فھناك من یعرفھا تعریفا جغرافیا، وھناك من یعطیھا تعریفا سیاسیاً. وسنسلط الضوء هنا على البعد الجغرافي للمنطقة.
تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من المساحة الكبيرة لمنطقة الساحل الأفريقي، وتنوع المعايير والمنطلقات لدى الباحثين في تحديد الفضاء الجغرافي لهذه المنطقة، والدول المكونة لها، إلا أنّ هناك شبه إجماع على أنّ الفضاء الجغرافي للساحل الأفریقي يشمل من الناحیة الجغرافیة المنطقة الفاصلة بین شمال أفریقیا، وأفریقیا جنوب الصحراء. فھي تمتد من البحر الأحمر شرقاً إلى المحیط الأطلسي غرباً، شاملة السودان، تشاد، والنیجر وموریتانیا والسنغال. وھناك تحدید أخر لإقلیم الساحل وھو الإقلیم الذي یغطي القوس الممتد من السودان إلى موریتانیا، ویطلق بدقة على بلدان ثلاثة محوریة ھي مالي والنیجر وتشاد. ویتعلق الأمر ببلدان شاسعة جغرافیا، ومحدودة السكان، وذات بعد صحراوي فسیح، لا تطل غالبية دولها على منفذ بحري. (بوبصلة، 2012) وبالتالي فالمنطقة عبارة عن شريط طويل يضم دولاً عديدة وتبلغ مساحتها ما يقارب تسعة ملايين كيلومتر مربع. (قشي، 2015)
وتعرف منطقة الساحل الأفريقي بخصائص جغرافية، تتمثل في أربعة عناصر هي؛ المجاعة، الجفاف، التصحر، ارتفاع درجات الحرارة. وهذه العناصر لها تداعياتها وانعكاساتها المباشرة على الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإنسانية التي تواجهها المنطقة. (قشي، 2015)
- العامل الديمغرافي
تتميز منطقة الساحل الأفريقي بتنوع إثني وعرقي ألقى بظلاله على البناء الاجتماعي، حيث تمتاز المنطقة بتداخل وتلاقي عدة أعراق تمثل كل منها أنماطا وعادات مختلفة. فعلى سبيل المثال نجد في النيجر قبائل الهوسا والزرما، والطوارق، والعرب، وفي مالي قبائل البامبارا والسونغاي والبولس، والكانوري، والطوارق والعرب. (قشي، 2015)
وفي تشاد توجد ثلاث مناطق جغرافیة مناخیة، تتمیز بالتوزیع غیر العادل من حیث الكثافة السكانیة حيث تعتبر تشاد دولة ذات كثافة سكانية قليلة مقارنة مع الدول المجاورة لها، وذلك بسبب النمو السكاني البطيء. فقد وصل إجمالي عدد السكان في عام 1957 مليونان ونصف؛ إلا أنّ هذه الكثافة السكانية وصلت في عام 1988 إلى خمس ملايين ونصف. ويُقدّر متوسط الكثافة السكانية على امتداد تشاد بحوالي 4.9 فرد في الكيلو متر الواحد، وتتميز مناطق الشمال بكثافة سكانية أقل بسبب الطبيعة الصحراوية، حيث يقطن حوالي 0.1 فرد في الكيلومتر المربع، بينما تتميز مناطق الجنوب بكثافة سكانية عالية حيث يقطن حوالي 52.4 فرد في الكيلو متر الواحد. (أيوب، 2008)
إنّ التركيبة الاجتماعية والديمغرافية المتنوعة لدول الساحل الأفريقي جعلت من مستوى التجانس الاجتماعي ضعيفاً، خاصة مع غياب الثقافة الوطنية الموحدة، التي نتج عنها أزمات عدة مثل أزمة الطوارق في النيجر ومالي، والاضطرابات العرقية في موريتانيا، والحروب الأهلية في دارفور، والصراعات القبلية والإثنية في تشاد.
- العامل الاقتصادي
تعتبر منطقة الساحل الأفريقي من أفقر مناطق العالم. ومما يميزه الواقع الاقتصادي لمنطقة الساحل هو هشاشة وتدهور اقتصاديات دوله بحيث أنّ معظم دول الساحل الإفريقي تصنف حالياً ضمن فئة البلدان الأقل نمواً.
وبحسب إحصائيات ندوة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية لعام 2009، فإنّ الناتج المحلي الإجمالي لتشاد قدّر بحوالي 8.914 مليون دولار أمريكي، والسودان بحوالي 68.530 مليون دولار أمريكي، ومالي بحوالي مليون دولار أمريكي، والنيجر بحوالي 4.905 مليون دولار أمريكي، وموريتانيا بحوالي 3.201 مليون دولار أمريكي، والسنغال بحوالي 13.333 مليون دولار أمريكي، وبوركينافاسو بحوالي 8.431 مليون دولار أمريكي. أما نيجيريا لأنها تعد أكبر دولة منتجة للنفط في إفريقيا، فإنتاجها المحلي مرتفع حيث يقدّر ب 222.867 مليون دولار أمريكي. (بوبصلة، 2012)
هذا بالإضافة إلى الديون الخارجية الكبيرة التي تعاني منها هذه الدول. فبحسب إحصائيات 2009 التي قدمتها المؤسسات الأفريقية الثلاث: مجموعة البنك الإفريقي للتنمية، والإتحاد الإفريقي، واللجنة الاقتصادية لإفريقيا، فقد قدر حجم الديون الخارجية لبوركينافاسو بحوالي 1751 مليون دولار أمريكي، وتشاد بحوالي 2134 مليون دولار أمريكي، ومالي بحوالي 1863 مليون دولار أمريكي، والسودان 34360 مليون دولار أمريكي. (رسولي، 2011)
وعلى الرغم من هذه الأوضاع الاقتصادية، فإنّ منطقة الساحل أصبحت منطقة ذات أهمية اقتصادية، كونها تزخر بالثروات المعدنية مثل الذهب، اليورانيوم، الفوسفات، وباتت الثروة النفطية عامل جذب كبير لدول العالم إذ تصدر تشاد النفط منذ عام 2003 بما يقارب 200 ألف برميل يومياً. كما أصبحت مالي ثالث منتج أفريقي للذهب بعد جنوب أفريقيا وغانا، وتتميز النيجر بكونها ثالث دولة مصدرة لليورانيوم في العالم بعد استراليا وكندا. وتعتبر نيجيريا أكبر دولة مصدرة للنفط بحجم إنتاج يومي يصل إلى 27 مليون برميل واحتياطي يبلغ 36 مليار برميل. (قشور، 2015)
ثانيا: التهديدات والمخاطر الكامنة في الساحل الأفريقي
یرى المتتبعون للشأن الأفریقي أنّ منطقة الساحل والصحراء الأفریقیة شھدت منذ نھایة الحرب الباردة صعود عدد من التھديدات الجدیدة التي من شأنھا الإضرار بمصالح الأفراد والجماعات والحكومات، وتأتي ھذه التحدیات الجدیدة على المنطقة في خضم التحولات السیاسیة والاقتصادية التي شھدھا العالم. (بوبصلة، 2012)
وتعد منطقة الساحل الأفريقي من بين أكثر المناطق في العالم التي تشهد حالة غير مسبوقة من التطورات الأمنية، نتيجة لمجموعة من العوامل يمكن حصرها في ثلاث أبعاد وهي؛ البعد الأول ويتمثل في الوجود الإرهابي في المنطقة الذي جعل من منطقة الساحل ملاذاً آمناً وقاعدة لعملياته. البعد الثاني: ويتمثل في انتشار ظاهرة الجريمة المنظمة، وتجارة البشر والمخدرات، والهجرة غير الشرعية، وهيمنة ظاهرة تجارة الأسلحة. ويتمثل البعد الأخير في الفشل البنيوي والوظيفي للدولة في المنطقة.
البعد الأول: التهديدات الإرهابية
على الرغم من عوامل الضعف التي تتسم بها دول الساحل الإفريقي “جنوب الصحراء”، والتي جعلت غالبيتها تصنف ضمن الدول الفاشلة؛ جاءت التأثيرات الأمنية التي عكستها تطورات دول الشمال الإفريقي خلال العقدين الأخيرين لتضاعف حجم التهديدات الأمنية والإنسانية التي تعيشها هذه الدول. وبحسب ما أشارة إليه الباحثة أميرة عبد الحليم فإنّ هذه التهديدات دفعت المنطقة لتصبح جزءًا من “قوس الأزمات” الذي كان يمتد في السابق من أفغانستان مرورًا بإيران والجزيرة العربية حتى القرن الإفريقي. (عبد الحليم، 2013)
لقد تحول الساحل الأفريقي إلى فناءٍ خلفيٍّ للجماعات الإرهابية في الشمال الإفريقي، خاصةً تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الذي تعود أصوله إلى الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية، والذي انتشر في الصحراء الكبرى منذ صيف 2003، وبدأ في استهداف دول الساحل والصحراء منذ هذا التاريخ؛ حيث كان لموريتانيا والنيجر النصيب الأكبر من هجمات التنظيم. (عبد الحليم، 2013) إضافة إلى الدور المتزايد لجماعة بوكو حرام في تهديد دول المنطقة مثل نيجيريا، والكمرون، ومؤخراً اتهم التنظيم من قبل السلطات التشادية بضلوعه في التفجيرين الانتحاريين اللذان شهدتهما العاصمة أنجمينا في شهر يونيو الماضي.
وفي هذا السياق يشير الباحث عصام عبد الشافي إلى أنه أصبحت المساحات الواسعة لمنطقة الصحراء الكبرى وساحل غربي إفريقيا، المناطق المفضلة لنشاط تنظيم “القاعدة”، الأمر الذي دفع عناصر التنظيم إلى اللجوء إلى منطقة الساحل الإفريقي، حيث تفتقر هذه المنطقة الشاسعة للمشاريع التنموية، إضافة إلى أنها تعيش في ظل فراغ أمني، حيث لا يوجد في تلك الأقاليم، ما يستدعي حضور أي حكومة.
البعد الثاني: انتشار الجريمة وتجارة السلاح
أصبحت الجريمة المنظمة التي تقودها شبكات التهريب مصدر خطر حقيقي على دول المنطقة، خاصة وأنّ هذه الشبكات أصبحت تمتاز ببنية مؤسسية كبيرة ذات ارتباط بأطراف خارجية فاعلة. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أنّ نحو 30 إلى 40% من المخدرات تمر عبر هذه المنطقة، ونحو 27% من المخدرات التي تمت مصادرتها في أوربا كان مصدرها منطقة الساحل والصحراء بقيمة إجمالية قدرها 8,1 مليار دولار أمريكي. إضافة إلى ذلك فإنّ تنامي الجريمة المنظمة يشكل مصدراً من مصادر عدم الاستقرار خاصة على المناطق الحدودية بين دول المنطقة. (عبد الشافي، 2014)
وتشیر تقدیرات الأمم المتحدة لسنة 2003 إلى أنّ ھناك حوالي 100 ملیون قطعة سلاح منتشرة في القارة خصوصا في مناطق الحدود. ویلعب التمویل الخارجي دورا كبیرا في إشعال الحروب حیث يبحث المتمردون عن الأسلحة و الأموال والتدریبات لتحقيق مطالبهم، كما أنّ السكان في ھذه المناطق أصبحوا یبحثون عن السلاح لیس للتمرد، وإنما للدفاع عن النفس من قطاع الطرق وعصابات الجریمة المنتشرة بكثرة. (بوبصلة، 2012)
وفيما يتعلق بالهجرة السرية، فإنه ومنذ عام 1990 وحتى عام2000 ، یمكن أن نلمس ارتفاعا في أعداد المھاجرین الأفارقة السریین. وبحسب تقدیرات رسمیة جزائریة فانه تم إیقاف ما معدله 6000 رعیة أفریقیة بین عام 2002 وعام 2006 . وقد تعقدت مشكلة الھجرة السریة أكثر فأكثر، حیث أنّ أعداداً غیر محدودة من المھاجرین السریین الأفارقة اتبعوا المغاربة الذین یعبرون المتوسط للوصول للضفة الجنوبیة للقارة الأوروبیة، عبر قوارب الصیادین. وشجع ھذا الطریق المزید من الأمواج البشریة للقدوم نحو شواطئ الجزائر وتونس. (بوبصلة، 2012)
البعد الثالث: الفشل البنيوي والوظيفي للدولة
إنّ ضعف نموذج بناء الدولة في أفريقيا عموماً وفي دول الساحل الأفريقي خصوصاً شجع بالضرورة على صعود لاعبين من غير الدول ، تحركوا لسد الفراغ الأمني والاقتصادي والاجتماعي التي تركته دول الساحل الضعيفة، وخصوصاً في المناطق الحدودية التي تم اختراقها بشكل كبير من قبل الجماعات الإرهابية مثل “جماعة بوكو حرام” التي انطلقت من نيجيريا واستطاعت أن تخترق الدول المجاورة لها مثل الكمرون، وتشاد. إضافة إلى التهديدات النابعة من موجات الهجرة غير الشرعية، والتجارة غير الرسمية العابرة للحدود الوطنية، وبالتالي تداخلت هذه التهديدات والمخاطر – القديمة والجديدة – لتشكل ظاهرة وسمة لمنطقة الساحل الأفريقي.
تتسم دول القارة الأفريقية بأنّ نظم الحكم في غالبيتها عبارة عن أنظمة يصعب فهمها، حيث يصعب أحياناً التمييز بين نظم الحكم العسكرية والمدنية. فهناك نحو 29 دولة إفريقية شهدت بين عامي 1984 – 2004، إقصاء للعديد من الرؤساء عبر الانقلابات العسكرية. (عبد الشافي، 2014)
ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه في الوقت الذي نجحت فيه بعض الدول الأفريقية في إدماج الجماعات والقبائل المتنوعة داخل مكون الدولة، فشل البعض الآخر خاصة في تحقيق التنمية الاقتصادية المحدودة. فإضافة إلى هذه القدرة المحدودة، شهدت دول القارة الأفريقية صراعاً على السلطة، وتقاسماً للثروة بين فئات معينة دون غيرها من الجماعات الأخرى، خاصة تلك التي لم تبد تأييداً للنظام الحاكم وسعت إلى معارضته، وحتى الدخول معه في صراع مسلح. ففي مالي – على سبيل المثال – ونتيجة لتهميش بعض المناطق وكبر مساحتها الجغرافية، ظهرت عدة جبهات عسكرية وسياسية تطالب بحقوق سكان المنطقة. ومن هذه الجبهات حركة الطوارق للمقاومة، والحركة الشعبية لأزواد، والجبهة الإسلامية العربية لأزواد، حيث شكلت هذه الحركات أزمة حقيقية للحكومة المركزية في مالي. (مبروك، 2015)
المبحث الثاني: التنافس الفرنسي- الأمريكي في منطقة الساحل الأفريقي: الدوافع والآليات
من المتعارف عليه أنّ لكل منطقة من مناطق العالم لها خصائصھا وممیزاتھا التي تمیزھا عن غیرھا من حيث البعد الاستراتيجي، والظروف والأوضاع السياسية والاقتصادية، ویمكن لھذه الخصائص والممیزات أن تكون عنصر استقطاب لقوى إقليمية ودولية تحاول استغلال تلك الأبعاد بشكل یمكنھا من التأثیر في مجریات الأحداث. وسنحاول في هذا القسم تسليط الضوء على التنافس الفرنسي الأمريكي في منطقة الساحل الأفريقي، وتحديد دوافعه، ووسائله المتجسدة في سياسات البلدين في المنطقة.
المطلب الأول: دوافع التنافس الفرنسي- الأمريكي
أولا: دوافع الاهتمام الفرنسي بالساحل الأفريقي
عبــّر الرئیس الفرنسي السابق “فرانسوا میتران” أنه بدون قارة أفریقیا لن یكون لفرنسا تاریخاً في القرن الحادي والعشرین، فالقارة الأفریقیة كانت مجد فرنسا، ومنطقة نفوذھا التاریخیة. لذا من الصعب تخیّل قیام فرنسا بالتخلي عن أفریقیا.
إنّ هذه المقولة تؤكد المكانة التي تحتلها القارة الأفريقية بالنسبة لفرنسا، فهي الدولة التي استعمرت الكثير من بلدانها، بما فيها دول الساحل الأفريقي التي باتت تشكل مناطق نفوذ لفرنسا في القارة الأفريقية.
لقد عانت فرنسا من تأثير التحولات التي طرأت على النظام الدولي – بعد نھایة الحرب الباردة وتفكك الإتحاد السوفییتي- على مكانتھا الدولیة، وهذه التحولات جعلتها تسعى إلى تحديد وإعادة صیاغة سیاساتھا الخارجیة، خاصة مع ظھور قوى وفواعل جدیدة أصبحت تنافس فرنسا في المیدان الاقتصادي والتجاري والتكنولوجي.
یمكننا تحدید أھداف الاھتمام الفرنسي بالقارة الأفریقیة بصفة عامة، ومنطقة الساحل الأفریقي بصفة خاصة. فمن جهة تسعي فرنسا إلى الھیمنة على أفریقیا وبالتحديد الدول الناطقة باللغة الفرنسية “دول المنظومة الفرانكفونية” والاحتفاظ بمصالحھا الاقتصادية مع أفریقیا حیث بلغ حجم الصادرات الفرنسیة حوالي 13,5 ملیار دولار أمريكي سنویاً، فضلاً عن المشاریع الاقتصادية مثل شراء شركات المیاه والكھرباء والھواتف في السنغال، واستثمارات النفط في الكونغو-برازافیل. ومن جهة أخرى تسعى فرنسا إلى مواجھة النفوذ الأمریكي والصيني المتزاید في القارة خلال العقود التي تلت انتهاء الحرب الباردة. (بوبصلة، 2012)
وعليه، فإنه يمكن القول أنّ فرنسا حددت مجموعة من المصالح الأساسیة في القارة الأفریقیة عموماً وفي منطقة الساحل خصوصاً، حیث تشعبت ھذه المصالح بین مصالح اقتصادية، ومصالح إستراتیجیة وسیاسیة.
- المصالح الاقتصادية
سعت فرنسا إلى البحث عن أسواق لتصریف السلع الفرنسیة المصنعة، وعن موارد ومواد أولیة لتنمیة الصناعات الفرنسیة، إذ تعاني فرنسا نقصاً في ھذه المواد، وبالتالي أصبحت مضطرة لاستكمال ھذا النقص من خارج حدودھا للحفاظ على صناعاتھا الوطنية.
لقد كانت فرنسا في مرحلة الثمانينات تعتمد بشكل كبير على دول أفريقيا خاصة الغابون والنيجر وساحل العاج وتشاد. ففرنسا لا تزال أكبر مستثمر في ساحل العاج حيث استحوذت في عام 2007 حوالي 150 شركة فرنسية على 68 بالمائة من الاستثمارات الأجنبية في ساحل العاج، كما هيمنت شركة أريفا الفرنسية Areva لمدة أربعة قرون على حقوق استخراج واستغلال اليورانيوم في النيجر. وتعتمد فرنسا على اليورانيوم المتواجد في النيجر بشكل كبير، إذ تعتمد على حوالي 75 بالمائة من احتياجاتها من الكهرباء على الطاقة النووية. (توفيق، 2014)
وبالتالي يعد العامل الاقتصادي عامل جذب مهم للمصالح الفرنسية في منطقة الساحل الأفريقي. فالمنطقة إلى جانب ثروتها النفطية المكتشفة خلال السنوات الأخيرة تزخر بالثروة المعدنية مثل الذهب واليورانيوم والفوسفات. (توفيق، 2014)
- المصالح السياسية والإستراتيجية
تسعى فرنسا إلى الحفاظ على نفوذها الاستراتيجي والسياسي في منظومة دول “أفريقيا الفرنكونية”، كونها تعد مستعمرات سابقة لها، وذلك في ظلّ تصاعد التنافس على المنطقة بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وظهور قوى منافسة خاصة الصين التي تنظر إلى القارة الأفريقية من منظور استراتيجي لما تتمتع به المنطقة من ثروات معدنية يحتاجها الاقتصاد الصيني.
إلى جانب البعد الاقتصادي للسياسة الفرنسية في منطقة الساحل، تحظى المنطقة بقيمة إستراتيجية – عسكرية وأمنية – لدى فرنسا. وتجسد هذا الاهتمام في العديد من الجوانب لعلّ أهمها يتمثل في الاتفاقيات الدفاعية والأمنية بين فرنسا ودول المنطقة، إضافة إلى الانتشار العسكري الملحوظ والمتمثل في القواعد العسكرية الفرنسية المتواجدة في غرب ووسط أفريقيا. وبعبارة أخرى، تعطي فرنسا اهتماماً كبيراً للمنطقة من خلال تواجد قواتها العسكرية في بعض البلدان الأفريقية. فعلى سبيل المثال، اهتمت فرنسا – باعتبارها الدولة المستعمرة لتشاد – بتحقيق نوع من النفوذ عبر تواجد القاعدة العسكرية الفرنسية في البلاد منذ الستينيات من القرن الماضي. ويعود هذا التواجد العسكري الفرنسي في تشاد إلى أهميّتها بالنسبة لفرنسا من الناحيتين الإستراتيجية والسياسيّة حيث تدخّلت فرنسا مرات عديدة في الشئون السياسيّة الداخلية لتشاد من خلال تسليم الأقلية المسيحية مقاليد السلطة بعد استقلال البلاد، وكان لهذا التدخل تأثيره، كونه أذكى الصراع السياسي وساهم في اندلاع الحرب الأهلية بين الأقلية المسيحيّة والأغلبية المسلمة خلال نهاية السبعينات من القرن الماضي. (طه، 2013)
ولئن كانت فرنسا تدخلت في بعض البلدان الأفريقية للحفاظ على مصالحها الإستراتيجية والسياسية، فإنّ الحفاظ على استقرار الأنظمة الأفریقیة كان ھدفاً أساسیاً للسیاسة الفرنسیة في القارة الأفريقية؛ فھذا الاستقرار – كما تراه فرنسا- یقلّل من احتمال اندلاع الحروب الأھلیة بین العرقیات والقبائل المختلفة. لذلك تفضّل فرنسا في بعض الأحيان مساندة النظم القائمة – رغم السلبيات الكثيرة لتلك الأنظمة – لتخوفها من تشجیع نظم جدیدة لا تعرف فرنسا مدى قدرتھا على السیطرة على شعوبھا.
ثانيا: دوافع الاهتمام الأمريكي بالساحل الأفريقي
بخلاف فرنسا، فإنّ الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك ميزة خاصة، كونها دولة لا يربطها أيّ ماضٍ استعماري مشترك مع القارة الأفريقية. فمنذ ظهور الدولة الأمريكية على الساحة الدولية، وحتى الحرب العالمية الثانية، تميزت السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القارة الأفريقية بالتجاهل وعدم الاهتمام. وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت مسألة محاصرة المد الشيوعي في قائمة اهتمامات السياسة الخارجية الأمريكية في أفريقيا، وذلك في عام ١٩٤٧ وعام ١٩٨٩. إلا أنه ومنذ عام ١٩٩٨ اتضحت ملامح السياسة الخارجية الأمريكية تجاه دول القارة الأفريقية. (رسولي، 2011)
ومن هنا يمكن القول أنه لم تشكل القارة الأفريقية أهمية محورية في التفكير الاستراتيجي الأمريكي الجديد إلا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وتحديداً فترة نهاية التسعينيات من القرون الماضي وفترة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وفي الوقت الراهن، أصبحت مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية مرتبطة برؤيتها الإستراتيجية الشاملة، وبحاجات اقتصادها الوطني. لذلك، فإنّ دوافع التوجه الأمريكي في أفريقيا عموماً وفي منطقة الساحل الأفريقي خصوصاً يتركز في بعدين مكملان لبعضهما البعض؛ وهما البعد الاقتصادي، والبعد الأمني.
- البعد الاقتصادي
ترجع أهمية القارة الأفريقية في الحسابات الأمنية الأمريكية إلى عوامل متعلقة أولاً بالعقيدة الأمنية الأمريكية المتعددة الأبعاد؛ وثانياً، إلى عوامل أخرى متعلقة بأفريقيا حيث تحتوي القارة على ثروات وموارد ضخمة.
بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، يكتسب النفط الأفريقي أهمية إستراتيجية كبيرة، حيث بدأت باستيراده منذ الخمسينيات من القرن الماضي. وقد نشرت العديد من التقارير الرسمية وغير الرسمية التي تؤكد هذه الأهمية للنفط الأفريقي لعلّ أبرزها تقرير وكالة الطاقة الأمريكية الذي أشرف عليه نائب الرئيس الأمريكي السابق “ديك تشيني” حيث حددت فيه قائمة من الأولويات والأهداف وإستراتيجيات الإدارة الأمريكية في مجال أمن الطاقة القومي. ويؤكد التقرير على أنّ الولايات المتحدة الأمريكية سوف تعرف خلال العشرين سنة المقبلة ارتفاعاً كبيراً في استهلاك البترول بنسبة تصل إلى 33 % بينما سترتفع هذه النسبة في استهلاك الغاز بنسبة 50 % مما يطرح على عاتقها مهمة جديدة تتمثل في البحث عن إمكانية تنويع مصادر الحصول على البترول من مناطق جغرافية مختلفة. (رسولي، 2011)
من هذا المنطلق، تأتي الأهمية الاقتصادية لمنطقة الساحل الأفريقي لدى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أنّ استهلاك الطاقة قضية حيوية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ولأمنها القومي. فتوقف الإمدادات النفطية سيشكل تهديداً لأمنها القومي، وقد عبر عن ذلك الرئيس الأمريكي السابق “جورج بوش “عن العلاقة بين الأمن القومي الأمريكي والطاقة بقوله “أن أمن الطاقة هو الأمن القومي، ونحن يجب أن نعمل وفقاً لذلك”. (إغناسيوس، 2011)
- البعد الأمني
أصبحت منطقة الساحل الأفريقي تحتل مكانة إستراتيجية كبيرة لدى صناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وذلك في سياق ما عرف بالحرب الكونية على الإرهاب.
ومن خلال استعراض الواقع الأمني للساحل الإفريقي في المبحث الأول من هذه الدراسة، اتضح لنا بأنّ هذه المنطقة تعاني من العديد من المشاكل التي تجعل من الوضع الأمني فيها غير مستقر، حيث تنتشر الجريمة المنظمة بكل أشكالها، والأزمات الداخلية، ومشاكل الأقليات، إضافة إلى التنظيمات الإرهابية التي تتواجد في المنطقة.
لقد تعززت المخاوف الأمریكیة على أمن واستقرار منطقة الساحل الأفریقي إثر التحوّل الذي حدث بفعل تزايد وتيرة نشاط ”الجماعة السلفیة للدعوة والقتال”، حیث استطاعت استغلال الفراغ الأمني على مستوى الحدود الصحراوية الشاسعة، والذي أتاح لها التحرك والقيام بأنشطة هددت كيانات وحكومات العديد من دول الساحل الأفريقي، وقامت باختطاف العديد من مواطني الدول الغربية. (Liann Kennedy, 2009)
لهذا باتت واشنطن تعتبر منطقة الساحل الإفريقي جبهة جديدة في حربها العالمية على الإرهاب، وصارت عملية تسهيل التعاون بين الحكومات في المنطقة وتعزيز قدرتها من اجل مكافحة التنظيمات الإرهابية ومنع تلك التنظيمات من إقامة قواعد في هذه المنطقة هدفاً رئيسياً للولايات المتحدة منذ عام 2003.
من هنا تظهر أهمية الساحل الإفريقي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، حيث أنّ الاهتمام بهذه المنطقة يدخل في إطار الحرب العالمية الأمريكية على الإرهاب. ولئن كانت العمليات الإرهابية الحالية في المنطقة تستهدف خطف الأجانب أو المنشآت الحكومية لدول المنطقة كما حدث في الجزائر، فانّ الحكومة الأمريكية تخشى من تطوّر نشاط الجماعات الإرهابية إلى خارج الحدود الإقليمية ويتعداها إلى الدول الغربية. كما تخشى من تهديد مصالحها في المنطقة على غرار ما حدث في دلتا النيجر حيث تكررت الاضطرابات في حقول النفط في المنطقة، خاصة في الحقول النيجيرية، وهو ما يشكّل تهديداً للمصالح الأمريكية في تأمين واستقرار التنقيب عن النفط والمعادن . (رسولي، 2011)
المطلب الثاني: وسائل السياسة الفرنسية-الأمريكية في الساحل الأفريقي
إنّ التوجهات الجديدة لكلّ من فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية تجاه منطقة الساحل الأفريقي تظهر لنا تنافساً حقيقاً بين البلدين. وبشكل ملحوظ، تتركز آليات هذا التنافس في الوسائل الأمنية والعسكرية، والوسائل الاقتصادية.
أولا: الوسائل الأمنية والعسكرية
استمرت فرنسا في ممارسة النفوذ والوصايا على الكثير من مستعمراتها السابقة، وذلك من خلال تجديد سياساتها تجاه تلك الدول عبر اتفاقيات الدفاع المشتركة – سواء كانت في شكلها الثنائي أو المتعدد الأطراف – مع دول غرب ووسط أفريقيا مثل السنغال، وموريتانيا، وساحل العاج. وقد نجحت فرنسا في الحفاظ على قواتها العسكرية حتى اليوم، في كل من تشاد وبوركينافاسو.
وفي ظل النظام الدولي الجديد، وفي إطار الصراع والتنافس الدولي في القارة الأفريقية، قامت فرنسا بتطوير سياساتها المتعلقة بالتعاون العسكري، حيث اعتمدت على خطط تقوم على إنشاء قوة “التدخل السريع” في دول القارة الأفريقية؛ تجسد ذلك في تنظيم العديد من المناورات خاصة المناورات العسكرية التي تمت مع السنغال في عام 1998. وفيما يتعلق بالساحل الأفريقي فإنّ فرنسا اعتمدت على انتهاج سياسة “التدخل العسكري” من أجل توسيع نفوذها والمحافظة على مصالحها في المنطقة، وشكّل التدخل العسكري في “أزمة مالي” في يناير 2013 أبرز مثال لهذه السياسة. (حسن، 2013)
ويشير الباحث الجزائري عشور قشي إلى أنّ هذا التدخل – على الرغم من مبرراته التي صاغتها فرنسا – إلا أنه يأتي في إطار مجموعة من العوامل منها:
- نظرة فرنسا إلى منطقة غرب أفريقيا كمنطقة نفوذ جيوسياسي مجاور لدول البحر المتوسط.
- المصالح الفرنسية في منطقة الساحل جعلت فرنسا تتخوف من تضرر مصالحها الاقتصادية في النيجر والسنغال وبوركينافاسو.
- يأتي التدخل العسكري الفرنسي في مالي في سياق سياسة هجومية تتبعها فرنسا في السنوات الأخيرة، لكي تنافس بها الدول الكبرى خاصة الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي المقابل، تؤكد الولايات المتحدة الأمريكية على أنّ اهتمامها بمنطقة الساحل الأفريقي يأتي نتيجة للتهديدات الأمنية المتزايدة التي تواجهها المنطقة، خاصة التهديد الإرهابي. لذلك سعت إلى تبني ودمج مجموعة من الوسائل الأمنية والعسكرية والاقتصادية، لعلّ أبرزها يتمثل في مبادرة الساحل المعروفة بـ Pan Sahel، ومبادرة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء، وإنشاء القيادة العسكرية الأمريكية الموحدة المعروفة ب “أفريكوم”.
وفي هذا الإطار، استحدثت الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2002 مبادرة الساحل Pan Sahel initiative ، وهي عبارة عن شراكة بين الولايات المتحدة الأمريكية ومالي، والنيجر، وتشاد، وموريتانيا. بدأت المبادرة في العمل بوصول فريق أمريكي لمكافحة الإرهاب إلى نواكشوط العاصمة الموريتانية حيث ضمّ الفريق 500 جندي أمريكي نشر حوالي 400 منهم في المنطقة الحدودية بين النيجر وتشاد. وقدرت ميزانية المبادرة لمدة عامين بحوالي7.75 مليون دولار أمريكي قدمتها وزارة الخارجية الأمريكية. (رسولي، 2011)
بيد أنّ الولايات المتحدة الأمريكية اتبعت نهجاً شاملاً لا يعتمد فقط على التدريب وتقديم معدات لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، وإنما يعتمد على المساعدات الإنمائية وغيرها من عناصر الإستراتيجية الشاملة لمكافحة الإرهاب. وهو بالفعل ما تجسد فيما عرف بـ” مبادرة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء” التي أنشئت في عام 2005. وهذه المبادرة هي امتدادا للمبادرة المشار إليها سابقا، وتم فيها توسيع نطاق المشاركة لتشمل بالإضافة إلى الدول الأربعة السابقة وهي كل من الجزائر والسنغال واعتماد تونس والمغرب ونيجيريا كمراقبين. وتقدّر ميزانية المبادرة بحوالي500 مليون دولار أمريكي، بمعدل 100 مليون دولار للسنة الواحدة. وتذهب نسبة 40 % من هذه الميزانية إلى الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية من أجل التعليم والصحة ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها من مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. (رسولي، 2011)
في إطار مبادرة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء، زادت الولايات المتحدة الأمريكية من مستوى معوناتها الخارجية لدول الساحل. فعلى سبيل المثال، بلغ مجموع ما أنفقته على تشاد خلال الفترة الممتدة من عام 2004 وحتى عام 2009 حوالي 187.2 مليون دولار، خصص حوالي 133 مليون دولار أمريكي لبرامج الإغاثة، وحوالي4.3 مليون دولار أمريكي على شكل منح إلى وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية العاملة في تشاد. (طه، 2013)
لم تكتف الولايات المتحدة الأمريكية بهاتين المبادرتين، وإنما أبدت رغبتها في إنشاء قيادة عسكرية أمريكية جديدة خاصة بالقارة الإفريقية من أجل التعامل مع التهديدات الأمنية ليس في الساحل الإفريقي وحسب، بل في مختلف أنحاء القارة كالقرن الإفريقي وخليج غينيا. وتم إنشاء القيادة العسكرية الموحدة الخاصة بإفريقيا عام 2007، ويطلق عليها اختصاراً بقوة الأفريكوم “Africom” ويقع مقرها في مدينة شتوتغارت الألمانية بسبب رفض دول الساحل استقبال مقر هذه القيادة. وتضم “الأفريكوم” موظفين عسكريين ومدنيين ومسئولين من وزارة الخارجية الأمريكية، وهو ما يعني أنه قوة الأفريكوم ليست قوة عسكرية خالصة، بل تعمل إلى جانب الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. وحددت مهام الأفريكوم في بناء إمكانيات الشراكة مع الدول الإفريقية، وإدارة نشاطات الأمن والتعاون في المسرح الإفريقي، وزيادة مهارات الشركاء في الحرب ضد الإرهاب، ودعم المساعدات الإنسانية والتخفيف من آثار الكوارث، واحترام حقوق الإنسان. (إبراهيم ، 2008)
ثانيا: الوسائل الاقتصادية
تحاول فرنسا جاهدةً منذ اكتشاف النفط في منطقة الساحل الأفريقي في الخمسينيات من القرن الماضي بلورة إستراتيجية خاصة بالمنطقة، من خلال تأسيسها لما عرف ب “المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية”. إلا أنّ هذا المشروع لم يكتب له النجاح، واضطررت فرنسا لاحقاً إلى الاعتماد على التجارة البينية بين دول وسط وغرب أفريقيا وزيادة حجم الاستثمارات الفرنسية فيها. (قشي، 2015)
أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فیمكن أن نكتشف أھداف التحرك الاقتصادي الأمریكي الجدید في أفریقیا من خلال التقریر الذي صدر في منتصف عام 1997 والذي كان بعنوان ”تعزیز العلاقات الاقتصادية للولایات المتحدة مع أفریقیا” حیث أعده فریق من الخبراء الأمريكان بتكلیف من مجلس العلاقات الخارجیة. فقد أوصى التقریر بأن تكون الولایات المتحدة الأمريكية في مقدمة الدول الصناعیة الكبرى للاستفادة من الفرص الجدیدة في أفریقیا.
تتطلع الولايات المتحدة الأمريكية إلى زيادة سيطرتها على النفط الأفريقي حتى تسيطر على المخزون العالمي، وهذا ما دفعها إلى التنافس مع النفوذ الفرنسي في المنطقة من خلال تواجد الشركات النفطية الأمريكية في دول الساحل، وبالأخص حضور كل من شركة Exxon Mobil، وشركة Chevronas.
كما قامت الولايات المتحدة بزيادة حجم استثماراتها في قطاعي النفط والغاز، فعلى سبيل المثال وقّعت اتفاقية تهدف إلى مضاعفة حجم التجارة والسماح للشركات الأمريكية بالاستثمار في الجزائر، حيث زاد حجم الاستثمارات الأمريكية في قطاعي النفط والغاز. وأصبحت بذلك الولايات المتحدة الأمريكية من أكبر المستثمرين في الجزائر حيث بلغ حجم استثماراتها حوالي 2.7 مليار دولار أمريكي، في حين أنّ فرنسا الشريك الاقتصادي الأول للجزائر تستثمر فقط 500 مليون يورو حسب إحصائيات عام 2003. ( Lefebre, 2003)
خاتمة: انعكاسات التنافس الفرنسي-الأمريكي على دول الساحل
من خلال ما تم استعراضه في هذه الدراسة، يمكن القول أنّ جمهورية تشاد باعتبارها أحد دول منظومة الساحل والصحراء الكبرى الأفريقية، فإنها تتأثر بالأحداث التي تشهدها المنطقة نتيجة للتوازنات والصراعات بين الدول الكبرى الحاصلة فيها. ونجد أنّ العديد من المعطيات والتطورات التي تشهدها هذه المنطقة تنعكس – بشكل مباشر أو غير مباشر – على تشاد، وفي كافة المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية. وعليه، فإنّ التنافس الفرنسي الأمريكي في هذه المنطقة له انعكاساته على الأوضاع في تشاد باعتبار أنّ تشاد تعد منطقة نفوذ لفرنسا من جهة، وكونها بيئة جاذبة للقوة الأمريكية الطامعة في استغلال الموارد النفطية التشادية من جهة أخرى. ويمكن إبراز مظاهر هذا التنافس في تشاد في النقاط التالية:
أولا: تعتبر تشاد أحد أهم محاور المنافسة بين القوى الفرنسية والأمريكية في الساحل الإفريقي، حيث تعد جمهورية تشاد – بحكم موقعها الذي يتوسط القارة الأفريقية – موقع مهم للنفوذ الفرنسي في هذه المنطقة. ّويتمثل التحدي والمنافسة الأساسية التي تواجهها فرنسا في تشاد في الولايات المتحدة الأمريكية. وعلى الرغم من الوضع الدفاعي الذي تبدو عليه الإستراتيجية الفرنسية وهي تحاول جاهدة الحفاظ على مواقع نفوذها التقليدية في القارة الإفريقية بما فيها تشاد، فإنّ الإستراتيجية الفرنسية لا تخلو – في نفس الوقت – من النزعة الهجومية في ظل تغلغل أمريكي وصيني يسعى إلى تأكيد حضوره على الساحة التشادية.
ثانيا: شهدت العلاقات التشادية الفرنسية بعض التوترات، ففي شهر مارس من عام 2000 ، طلبت تشاد من السفير الفرنسي آنذاك مغادرة أراضيها نتيجة لخلافات بين الطرفين، وقامت فرنسا بدورها بدعوة البنك الأوروبي للاستثمار إلى تعليق مساهمته في مشروع حوض “سيدجي ” النفطي بدعوى أنّ الاشتراطات البيئية والمهنية غير متوافرة. كما أصدرت السفارة الفرنسية في تشاد بيانا أعلنت فيه عن انسحاب الشركة الفرنسية للنفط « ELF »من الاستثمار في تشاد، وتبعها انسحاب شركة “شل” البريطانية، وهو ما أدى إلى تظاهرات كبيرة في تشاد تم خلالها إحراق المباني والسيارات الفرنسية.
ثالثا: بدورها استغلت الولايات المتحدة توتر العلاقات الفرنسية التشادية وعملت على توطيد علاقاتها مع تشاد، فتمكنت من فتح الباب أمام الشركات الأمريكية للدخول بثقلها في الاستثمارات النفطية بتشاد. كما سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى زيادة مستوى معوناتها الخارجية لتشاد خلال السنوات الأخيرة إذ بلغ مجموع ما أنفقته خلال الفترة من 2004-2009 إلى حوالي 187.2 مليون دولار أمريكي، منها 133 مليون دولار أمريكي لبرامج الإغاثة، وحوالي 4.3 مليون دولار أمريكي عبارة عن منح إلى وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية العاملة في تشاد.
رابعا: اتجهت الولايات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة إلى توجيه تمويلها ومعوناتها الرسمية للتحكّم في الحراك السياسي في تشاد من خلال تمويل منظمات المجتمع المدني، وإشراك وزارة الدفاع الأمريكية ومنظمة USAID التي اهتمت خلال السنوات الأخيرة بدعم قضايا المجتمع المدني في تشاد، ودعم قضايا تمكين المرأة، والمشاركة السياسية.
خامسا: أدركت فرنسا بدورها مخاطر التغلغل الأمريكي في تشاد، فعملت على إعادة توطيد علاقاتها مع تشاد مرة أخرى. كما عملت فرنسا على تثبيت وجودها في تشاد من خلال مشاركتها في القوات العسكرية الأوروبية التي تم نشرها في شرق تشاد عام 2007. وكانت فرنسا من الأطراف الرئيسية التي ساهمت في تشكيل قوات حفظ السلام الدولية في شرق تشاد حيث وصل عدد جنودها في هذه القوات إلى ألفي جندي فرنسي.
قائمة المراجع
المراجع العربية
- أميرة محمد عبد الحليم، نذر الانهيار:تأثير الاضطرابات الداخلية على الأمن الإقليمي للساحل والصحراء، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، 2013.
- أمینةبوبصلة، التنافسالفرنسيالأمریكيفيمنطقةالساحل الإفریقيفيفترةمابعدالحربالباردة، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعةالجزائر، 2012.
- أسماء رسولي، مكانة الساحل الأفريقي في الإستراتيجية الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، رسالة ماجستير غير منشورة 2011، جامعة الحاج لخضر باتنة.
- إيمان أحمد عبد الحليم، حسابات باريس: عوائق التدخل العسكري الفرنسي في شمال مالي، السياسة الدولية، العدد 191، يناير 2013.
- إبراهيم علي إبراهيم، أفريكوم: اتجاه جديد في العلاقات الأمريكية الأفريقية، إيلاف، 31 أكتوبر 2007.
- ديفيد إغناسيوس، أفريكوم: مهمة غير مفهومة، الشرق الأوسط، يناير 2008 .
- راوية توفيق، السياسة الفرنسية في أفريقيا، الأداة العسكرية في خدمة المصالح الاقتصادية ودعاوى المهمة الحضارية، قراءات افريقية، أبريل 2014.
- سعيد طه، المنظمات الدولية غير الحكومية في إطار التحولات الدولية، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة الكويت، 2013.
- شاكر ظريف، أزمة الدولة في منطقة الساحل الأفريقي والصحراء الكبرى: دراسة في الأسباب والانعكاسات، المجلة العربية للعلوم السياسية، ربيع 2015.
- عشور قشي، التنافس الفرنسي – الأمريكي حول منطقة الساحل الأفريقي: دراسة في منطلقات الاهتمام وآليات التغلغل، المجلة العربية للعلوم السياسية، العددان 45/46، شتاء – ربيع 2015.
- عصام عبد الشافي، معضلة مزمنة: تعقيدات غياب الأمن في الساحل والصحراء، السياسة الدولية، القاهرة، العدد 195، يناير 2014.
- محمد صالح أيوب، مظاهر الثقافة العربية في تشاد المعاصرة وتحديات العولمة، القاهرة: مطابع الصفا للمطبوعات التجارية، 2008.
- مبروك كاهي، منطقةالساحلالإفريقي: صراعاتقديمةوتحدياتجديدة، جامعةورقلة، 2015، الجزائر.
- مصطفى كامل السيد، الإستراتيجية العسكرية الفرنسية في أفريقيا، السياسة الدولية، العدد 145، يوليو 2001.
المراجع الأجنبية:
- From New Frontier to New Normal: Counter-terrorism operations in the Sahel-Sahara, Richard Reeve and Zoë Pelter, August 2014.
- La sécurité au Sahel après la crise du Mali Quels enjeux et défis pour les pays régionaux et internationaux? Séminaire international organisé le 28 Mars.
- Liann Kennedy –Bondali , ‘’Examining US Counter Terrorism Priorities and Strategy across Africa’s Sahel Region ‘’, RAND corporation , November 2009.
- Robert G. Berschinski, «Africom’s dilemma :The global war on terrorism, capacity building, humanitarianism, and the future of U.S security policy in Africa» , November 2007, in 1Pabst Martin, «External interest in west Africa».
- Alex Lefebre, «Chirac promotes French interests in Algeria », 15 march 2003, in http://www.wsws.org/articles/2003/mar2003/alge_m15.shtml.

